وأكْرَهُ مَن بِضاعتُه المعاصي … ولكنِّي شَريكٌ في البِضاعهْ
فكأنَّه أخذه من قول عبد الله بن المبارك المتقدِّم آنفا.
وكان ابن المبارك يقول: سَخاءُ النفى عمَّا في أيْدي الناس أكبرُ من سخاء النفس بالبذل، والقَناعةُ والرِّضا أكْبرُ من مُروءةِ الإعطاء.
وكان يُنْشِد:
ما ذاقَ طَعْمَ الغِنَى مَنْ لا قُنُوع له … ولن تَرَى قانعا ما عاشَ مُفْتَقِرا
والعرُفُ مَن يأتِه يحْمَدْ عَواقِبَهُ … ما ضاع عُرْفٌ وإن أوْليْتَه حجَرا
ومن شعره أيضًا قوله:
لا تَضْرَعَنَّ لمخلوقٍ على طمَعٍ … فإنّ ذاك مُضِرُّ منك بالدِّينِ
واسْتَرْزِقِ اللهَ مما في خَزائِنِه … فإنّما هي بين الكاف والنون
ألا تَرَى كلَّ مَن تَرْجو وتأمُلُه … مِن البَرِيَّة مسْكينَ بنَ مسكين
ومنه قوله (١):
كلْ من الجاوَرْسِ والرُّزِّ … ومِن خُبْزِ الشَّعيرِ (٢)
واجْعَلَنْ ذاك حَلالا … تَنْجُ من نارِ السَّعيرِ
والْتَمِسْ رزقك من ذي … العرش والرب القدير
وارض يا وَيْحَك من دُنْـ … ـياكَ بالقُوتِ اليسيرِ
إنَّها دارُ بلاءٍ … وزَوالٍ وغرورِ
كم لَعَمْرِى صرَعَتْ قَبْـ … لك أصحابَ القُصورِ (٣)
وذَوى الهَيْئةِ في المجـ … ـلسِ والجمع الكثيرِ
أُخْرِجوا منها فما كا … ن لَدَيْهم من نَكيرِ
(١) سير أعلام النبلاء ٨: ٣٦٦، ٣٦٧.
(٢) الجاورس: حب.
وفي السير "كل من الجاروس والـ … آرز والخبز الشعير".
(٣) في السير: "ما ترى قد صرعت قبلك".