عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات١ ثنتين منهن في ذات الله عز وجل، قوله:{إِنِّي سَقِيمٌ} ، وقوله:{بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} . قال: بينا هو ذات يوم وسارة إذا أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن ههنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه، فسأله عنها: فقال: من هذه؟ قال: أختي ... "٢.
ففي هذا الحديث حصر لكذبات إبراهيم عليه السلام، وإشارة إلى أنها أعظم ما صدر منه عليه السلام٣، ولم يجعل من ضمنها قوله:{هَذَا رَبِّي} ٤، فدل ذلك على أن هذا القول لم يصدر من خليل الرحمن كذباً. ثم إن إبراهيم عليه السلام قد اشتهر عنه ذكر آلهتهم بسوء، كما أخبر الله عن ذلك بقوله:{سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} ، وعلى هذا فلا فائدة في التورية هنا.
الثاني: أن قوله: {هَذَا رَبِّي} معناه هذا ربي في زعمكم واعتقادكم، وهذا الإضمار معروف في العربية، قال تعالى:{وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً} ٥، وقال:{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي} ٦، أي: في زعمكم واعتقادكم٧.
١ إنما أطلق عليه أنها "كذبات" لكونه قال قولاً لا يعتقده السامع كذباً، لكنه إذا حقق فيه وجده من باب المعاريض المحتملة لأمرين. انظر: "شرح النووي": (١٥/١٢٤) ، و"تفسير ابن كثير": (٤/١٣) ، و"فتح الباري": (٦/٣٩١) . ٢ أخرجه البخاري: (٤/٢٨٠) ، كتاب الأنبياء، ومسلم: (٧/٩٨) ، كتاب الفضائل. ٣ انظر: "الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال": (٢/٣١) . ٤ انظر: "فتح الباري"، (٦/٣٩١) . ٥ سورة طه، الآية: ٩٧. ٦ سورة فصلت، الآية: ٤٧. ٧ انظر: "التفسير الكبير": (١٣/٥٢) ، و"تفسير القرطبي": (٧/٢٦) .