(فَصْلٌ)
قَالَ: وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ عَادَةَ التَّدْخِينِ مِنْ أَقْبَحِ العَوْائِدِ، لأنَّهَا تَسْتَبْعِدُ مُتَّبِعِيهَا، وَتُقَيِّدُهُمْ بِسَلاسِلَ وَأَغْلالٍ، بِحَيْثُ أَنَّهُمْ إِذَا أَرَادُوا التَّخَلُّصَ لا يَجْدُونَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلا، وَهِيَ عَادَةٌ لَوْ لَمْ يَتَّبِعْهَا الإِنْسَانُ في زَمَنِِ صِبَاهُ - الذِي هُوَ زَمَنُ جَهْلِهِ، وَعَدْمِ تَبَصُّرِهِ بِالعَوَاقِبِ -، لَكَانَتْ قَلِيَلةً جِدًا بَيْنَ أَفْرَادِ النُّوعِ الإِنْسَانِي وَالبُرْهَانُ عَلَى ذَلِكَ مَا تَرَاهُ مِنْ غَيْرِ المُدَخِّنِ، فَإِنَّهُ إِذَا شَبَّ وَصَارَ بِتَمَامِ التَّمْيِيزْ، وَتَحَقَّقَ مَضَارَّ الدُّخَانِ الصِّحِّيَّةِ وَالمَاليةِ، وَالأَخْلاقِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ، عَنْ طَرِيقِ الاسْتِقْصَاءِ وَالنَّظَرِ أَوْ عَنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ وَالخَبَرِ، حَمِدَ اللهَ تَعَالَى حَمْدًا كَثِيرًا عَلَى عَدَمِ دُخُولِهِ تَحْتَ سَيْطَرَةِ تِلْكَ العَادَةِ الوَخِيمَةِ، وَمَنْ تَكُنْ هَذِهِ حَالَتُهُ فَإِنَّهُ يَتَبَاعَدُ بِلا شَكِّ عَنِ السُّلُوكِ فِي هَذَا الطَّرِيق، الذِي يوصِّلُهُ إِلَى فِرَاشِ التَّمْرِيضِ، بِسَلْبِ الصِّحَّةِ التي يُقَدَّرُ قَدْرُهَا.
قَالَ: هَذَا وَإِنَّ التَّعَوُّدَ عَلَى التَّدْخِينِ لا يَحْصَلُ غَالبًِا إِلا فِي أَيَّامِ الصِّبَا، كَمَا عَلِمْتَهُ آنِفَا، حَيْثُ يَكُونُ الإِنْسَانُ حِينَئِذٍ بِتَمَامِ الاسْتِعْدَادِ لِلتَّقْلِيدِ فِيمَا يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ مِنْ سِوَاهُ، فَتَرَى الصَّبِيَّ يُدَخِّنُ تَشَبُهًا بِغَيْرِهِ، رَغْمًا عَنِ اسْتِكْرَاهِهِ لِرَائِحَةِ الدُّخَانِ، وَمَرَارَةِ طَعْمِهِ مُتَكَلِّفًا تَحَمُّلَ أَثْقَالِ أَعْرَاضِهِ المُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ، مِنْ دَوَرَانِ الرَّأْسِ وَصُدَاعِهِ، وَغثَيَانِ الصَّدْرِ وَأَوْجَاعِهِ فَإِذَا تَعَوَّدَهُ بَعْدَ طُولِ المُكَابَدَةِ، وَتَحَمُّلِ المَشَاقِ وَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِهِ لا يَجِدُ لَهُ غِنَىً عَنْ تَعَاطِيهِ، لَكِنَّهُ كُلَّمَا كَبُرَ سِنُّهُ وَزَادَ لا يَقْرِنُ القَوْلَ بِالفِعْلِ، إِلَى أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْهُ الدَّاءُ، وَيَصِلُ إِلَى حَالَةٍ لا يَنْفَعُهُ الدَّوَاءُ فَيْبَقَى هَذَا المِسْكِينُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فِي مُقَاسَاتِ الآلامِ وَشِدَّةِ الأَسْقَامِ، يَغْبِطُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.