مناقشة الدليل العاشر: يمكن أن يناقش الدليل: بالتسليمِ لما قالوه فيما إذا كان المتمذهبُ متأهلًا للنظرِ في الأدلةِ عارفًا بدلالات الألفاظِ، وأمكنه الوصولُ إلى الحكمِ (٢).
أمَّا إنْ كان المتمذهبُ غيَر متأهلٍ، فلا يُسلّمُ لهم؛ لأنَّ فرضَه التقليدُ وسؤالُ العلماءِ، وإذا جازَ له التقليدُ لأيّ عالم، جازَ له أنْ يقتصرَ على واحدٍ منهم؛ لقناعتِه بعلمِه وفضلِه، فيقتصر على أقوالِه.
الدليل الحادي عشر: جاءَ عن عمرَ بنِ الخطاب - رضي الله عنه - قولُه:(إنَّ حديثَكم شرُّ الحديثِ، إنَّ كلامَكم شرُّ الكلامِ؛ فإنَّه قد حدثّتم الناسَ حتى قيل: قال فلانٌ، وقال فلانٌ، ويُتْرَك كتاب الله، مَنْ كان منكم قائمًا فليقم بكتاب الله، وإلا فليجلسْ)(٣).
وجه الدلالة: أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وصف مَنْ يقولُ: قالَ فلان، إذا كان تاركًا لكتابِ الله، بأنَّ كلامَه شرُّ الكلامِ، وكان هذا في عصرِه القريبِ مِن عصرِ النبوةِ، فكيفَ بالعصورِ التي بعده؟ ! وكلامُه صادقٌ على مَنْ تَرَكَ الأدلةَ مِن الكتابِ والسنةِ، وأَقبلَ إلى ما قاله إمامُه (٤).
الدليل الثاني عشر: جاءَ عن عبدِ الله بن عباس - رضي الله عنهما - قوله:(ويلٌ للأتباعِ مِن عثراتِ العالمِ). قيل له: وكيفَ ذلك؟ قال: (يقول العالمُ شيئًا
(١) انظر: المصدر السابق (٣/ ٤٨٦ - ٤٨٧). (٢) انظر: اللامذهبية للدكتور محمد البوطي (ص/ ٤٧). (٣) أخرج أثر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أبو زرعة الدمشقي في: تاريخه (١/ ٥٤٣)، برقم (١٤٧٠)؛ وابن حزم في: الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ٩٧)؛ وأبو إسماعيل الهروي في: ذم الكلام وأهله (٤/ ٥)، برقم (٧١٧). (٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٩٨)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٥٨ - ٤٥٩).