للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

النبيُّ عليها - وإِنَّما حدثتْ هذه البدعةُ في القرنِ الرابعِ المذموم على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّه لا سبيلَ إِلى وجودِ رجلٍ واحدٍ في القرونِ الثلاثةِ المتقدمةِ قلَّدَ صاحبًا أو تابعًا أو إِمامًا أخذ عنه في جميعِ أقوالِه، فأخذه كما هو، وتديّن به وأفتى به الناسَ" (١).

ويقولُ ابنُ القيّم: "إِنَّا نعلمُ بالضرورةِ أنَّه لم يكنْ في عصرِ الصحابةِ رجلٌ واحد اتَّخذَ رجلًا منهم يقلِّدُه في جميعِ أقوالِه، فلم يُسقطْ منها شيئًا، وأسقطَ أقوالَ غيرِه، فلم يأخذ منها شيئًا، ونعلم بالضرورةِ أن هذا لم يكنْ في عصرِ التابعين، ولا تابعي التابعين ... وإِنَّما حدثت هذه البدعةُ في القرنِ الرابعِ ... " (٢).

مناقشة الدليل التاسع: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: قولكم: "إِنَّ أخذَ أقوالَ عالمٍ بعينه لم يكن موجودًا في الصدر الأول"، لا يمكنُ لكم أنْ تقيموا الدليلَ عليه، فقد يكون هناك التزامٌ مِنْ بعضِ الناسِ بما يصدرُ عن أحدِ علماءِ الصحابةِ - رضي الله عنهم - بعينِه من فتاوى، ولم تتطلعوا عليه (٣).

بلْ هناك ما يدلُّ على وجودِ شيءٍ من الالتزامِ بأقوالِ العالم، فقد كان المنادي في الحجِّ يصيحُ: "لا يُفتي الناسَ إِلَّا عطاءُ بن أبي رباح" (٤).

وقد تقدّمَ في الفصلِ الثاني كلامُ عليّ بن المديني بشأنِ حال التابعين مع علماءِ الصحابة - رضي الله عنهم -.

ولو قلتم لم يُوْجَدْ في الصدرِ الأول النّسبُ المذهبية - كبكري وعمري - لسلِّمَ لكم.


(١) التلخيص لوجوه التخليص (ص/ ١٣٥ - ١٣٦). وانظر منه: (ص/ ١٣٧).
(٢) إِعلام الموقعين (٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥).
(٣) انظر: أصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/ ٤٨٣).
(٤) انظر: اللامذهبية للدكتور محمد البوطي (ص/ ٧٩). وانظر مقولة: "لا يفتي الناس إِلَّا عطاء" في: تاريخ دمشق لابن عساكر (٤٠/ ٣٨٥)، وسير أعلام النُّبَلاء (٥/ ٨٢)، والبداية والنهاية (١٣/ ٧٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>