مناقشة الدليل الثامن: يمكن أن يناقش الدليل: بأن دعوى الإِجماعِ المذكورة محلُّ نظرٍ؛ وتحتاجُ إِلى إِثبات، ولم يورد ابنُ حزمٍ قولًا لأحدٍ الصحابةِ - رضي الله عنهم - أو التابعين دالًا على المنعِ.
لكن إِنْ كان قَصْدُ مَنْ حكى الإِجماعَ عدمَ التزام مَنْ كان متأهلا للنظرِ في الأدلة (٢) - إِمَّا لبلوغِه درجة الاجتهادِ، وإِمَّا لتحققِ وصف الاجتهاد الجزئي فيه في بعضِ المسائلِ، وفي كلامِ ابنِ حزمٍ السابق إِشارةٌ إِلى قيدِ التمكن مِن النظرِ - بأقوالِ عالم، مع تمكنِه مِن الوصولِ إِلى الحكمِ الشرعي، وتَرَكَه إِعراضًا عن الأدلةً؛ أو مَعَ نظرِه فيها، وتوصله إِلى رأي، وترَكَ ما ترجَّحَ عنده، وبقي على قولِ إِماِمه: فتُسلَّم لهم حكايةُ الإِجماعِ - ويكون صنيعُ المتمذهبِ حينئذٍ تعصبًا مذهبيًا ممقوتًا - لأنَّ حالَ الصحابةِ - رضي الله عنهم - والتابعين أنَّهم يعملون بما ترجّحَ عندهم.
الدليل التاسع: أنَّ التزامَ أقوالِ عالمٍ بعينِه دونَ غيرِه، بحيثُ لا يخرجُ عنها بدعةٌ محدثةُ لم تكنْ موجودةً في صدرِ الإِسلامِ الأول، فلم يكن الصحابةُ منقسمين إِلى مذاهب علمائهم، وبناءً عليه لا يجوزُ التمذهبُ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ (٣).
يقول ابنُ حزمٍ: "إِنَّ تقليدَ الآراءِ لم يكن قطُّ يومًا في قرنِ الصحابةِ - رضي الله عنهم - ولا في قرنِ التابعين ولا في قرنِ تابعي التابعين - وهذه القرونُ الَّتي أثنى