وجه الدلالة: أنَّ مَنْ اتخذَ عالمًا إِمامًا له يعرضُ عليه نصوصَ الكتابِ والسنةِ، فما وافقَ قولَ إِمامِه قَبِلَه، وما خالفه تركه، مع أنَّه يُقر بأنَّ هذا قول الله وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم -: فقد اتخذ إِمامَه مِنْ دونِ الله وليًا (١).
مناقشة الدليل الأول: يمكن أن يناقش وجه الدلالة من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ ما ذُكرَ في وجه الدلالةِ هو التعصّب لأقوالِ الإِمامِ، وليس هذا ما نتحدثُ عنه.
الوجه الثاني: لا يصح تنزيلُ الآيةِ على مَنْ يعتقدُ أنَّ الحلالَ هو ما أحلَّه الله ورسولُه - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ الحرامَ هو ما حرَّمه اللهُ ورسولُه - صلى الله عليه وسلم -، لكن لما قَصُرَ علمُه وفهمُه عمَّا قاله النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وضعفَ إِدراكُه عن بلوغِه، ولم يكنْ عنده علمٌ بطرقِ الجمعِ بين الأدلةِ: اتَّبع عالمًا يغلبُ على ظنِّه أنَّه متبعٌ للكتاب والسنةِ - وإنْ علم مِنْ إِمامِه مخالفةً للدليلِ تَرَكَ قولَه - فإِنَّ مثلَ هذا لا يلحَقه لومٌ، ولا تتوجه إِليه هذه الآيات (٢).
وجه الدلالة: أنَّه لا وليجةَ أعظم ممَّنْ جَعَل أقوالَ عالمٍ بعينِه عيارًا (٤) على كلامِ الله تعالى، وكلامِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - (٥).
مناقشة الدليل الثاني: الَّذي يأخذُ قولَ إِمامِه؛ لاعتقادِه أنَّ قولَه كاشفٌ عن مرادِ الله ومرادِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - لا أنَّه اختارَ قولَ إِمامِه وقدّمه على قولِ الله
(١) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٢٤). (٢) انظر: حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٧٧)، والدرر السنية لابن قاسم (٤/ ٧٢). (٣) من الآية (١٦) من سورة التوبة. (٤) العيار: الوِزَان، تقول: عيّر الدنانير، أي: وزنها واحدًا بعد واحدِ. انظر: لسان العرب، مادة: (عير)، (٤/ ٦٢٣)، والقاموس المحيط، مادة: (عير)، (ص/ ٥٧٥). (٥) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٢٤)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩).