الوجه الثاني: أنَّ المستدلَّ بهذا الأثرِ لا يرى تقليدَ عمرَ بنِ الخطابِ - رضي الله عنه - ولا ابنَ مسعودٍ - رضي الله عنه - في كل أقوالهما، بلْ تقليدُ مَنْ بعدهما من الأئمةِ أحبُّ إِليه، وآثرُ عنده (٢).
الوجه الثالث: لو سُلِّمَ الاستدلال بهذا الأثرِ على مطلوبِكم، فإِنَّه يكونُ متمسكًا لمنْ قالَ: يجوزُ تقليدُ المجتهدِ لمجتهدٍ آخر، وهذه مسألةٌ أخرى غير مسألتنا (٣).
ويمكن الجواب عن الوجه الثالث: بأنَّه إِذا جازَ للمجتهدِ أنْ يقلَّدَ مجتهدًا آخر، فمِنْ بابٍ أولى يجوزُ لمن لم يكن مجتهدًا أنْ يقلِّد أحدَ المجتهدين.
خامسًا: مناقشة ما جاء عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -:
(١) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٦١، ٦٨)، وإِعلام الموقعين (٣/ ٥٣٨)، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٠٨ - ١٠٩)، وإِيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٥١)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٩٠)، وأضواء البيان (٧/ ٥٤٨ - ٥٤٩)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ٩٧). وأخرج أثر عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: الطَّبراني في: المعجم الكبير (٩/ ١٥٣)، برقم (٨٧٦٦)؛ وأبو نُعيم في: حلية الأولياء (١/ ١٣٧)؛ وابن حزم في: الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ٦٨)؛ والبيهقي في: المدخل إِلى السنن، باب: فضل العلم (١/ ٣٤١)، برقم (٣٧٨)؛ والحنائي في: فوائده (١/ ٥٨٩)، برقم (١٠٠)، وحسَّن محقق الكتاب (١/ ٥٩٠) إِسناد الحنائي؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٨٣)، برقم (١٨٧٤، ١٨٧٦). وأخرج الطَّبراني في: المعجم الكبير (٩/ ١٥٢)، برقم (٨٧٦٥) أثرَ عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - بلفظ: (لا يكون أحدكم إِمعة). قالوا: وما الإِمعة يا أبا عبد الرَّحمن؟ قال: (يقول: إِنَّما أنا مع الناس، إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلوا ضللت، ألا ليوطن أحدكم نفسه على إنْ كفر الناس أن لا يكفر). وضعف ابنُ حجر الهيثمي في: مجمع الزوائد (١/ ١٨١) إِسناد الطَّبراني. (٢) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٦٢)، وإِعلام الموقعين (٣/ ٥٣٧)، وإِيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٥١)، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٠٩)، وأضواء البيان (٧/ ٥٤٩). (٣) انظر: القول المفيد للشوكاني (ص/ ١٠٦).