الوجه الثالث: على فرضِ التسليم بصحةِ الاستدلالِ بالحديثِ على جوازِ تقليدِ معاذ - رضي الله عنه -، فليس فيه ما يدلُّ على جوازِ تقليدِ الأئمةِ الأربعةِ؛ للفرقِ الواضحِ بين مقامِ الصحابي، ومقامِ مَنْ جاءَ بعده (١).
الدليل السابع: أنَّ الصحابةَ - رضي الله عنهم - جوّزوا التقليدَ، وعملوا به، وهناك عددٌ مِن الوقائعِ تدلُّ على ذلك، منها:
الأولى: أنَّ أبا بكرٍ الصديق - رضي الله عنه - قال في الكلالة (٢)(أقضي فيها، فإنْ يكن صوابًا فمِن الله، وإنْ يكن خطأ فمني ومن الشيطانِ، والله منه بريءٌ، هو ما دون الوالد والولد). فقالَ عمرُ بنُ الخطاب - رضي الله عنه -: (إنِّي لأستحيي مِن الله أنْ أخالف أبا بكرٍ)(٣).
وجه الدلالة: الأثرُ ظاهرٌ في تقليدِ عمر - رضي الله عنه - لأبي بكرٍ - رضي الله عنه -، وإقرار مَنْ حَضَرَ مِن الصحابةِ - رضي الله عنه - له، وإذا جازَ لعمرَ - رضي الله عنه - أنْ يقلِّدَ، فيجوز لغيرِه مِن بابٍ أولى.
(١) انظرة الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٧٢). (٢) الكلالة: كل ميت لم يرثه ولد أو أب. وقيل: الكلالة الورثة ما خلا الوالد. وقيل: الذين يرثون الميت مَن عدا ولده ووالده. انظر: جامع البيان لابن جرير (٦/ ٤٧٥ - ٤٨١)، والمصباح المير للفيومي، مادة: (كلل)، (ص/ ٤٣٨)، وأنيس الفقهاء للقونوي (ص/ ٢٩٩). (٣) أخرج الأثر: عبد الرزاق في: المصنف، كتاب: الفرائض، باب: الكلالة (١٠/ ٣٠٤)، برقم (١٩١٩١)؛ وسعيد بن منصور في: السنن، في تفسير سورة النساء (٣/ ١١٨٥)، برقم (٥٩١)؛ والدارمي في: السنن، كتاب: الفرائض، باب: الكلالة (٤/ ١٩٤٤)، برقم (٣٠١٥)؛ وابن جرير في: جامع البيان (٦/ ٤٧٥)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الفرائض، باب: حجب الإخوة والأخوات من كانوا بالأب والابن (٦/ ٢٢٤). وذكر السيوطيُّ في: الدر المنثور (٥/ ١٤٩) الأثرَ، وعزاه إلى عبدا لرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والدارمي، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي. والذي أخرجه ابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: الفرائض، باب: في الكلالة، من هم؟ (١٦/ ٣٧٠)، برقم (٣٢٢٥٥) هو قول أبي بكر فحسب. وضعّف ابنُ حزم في: المحلى (١٠/ ٣٩٢) الأثرَ؛ لأنَّه منقطع؛ فالشعبي لم يدرك أبا بكر - رضي الله عنه -. وانظر: تعليق محقق سنن سعيد بن منصور (٣/ ١١٨٦).