ويمكن أن يضاف إلى المناقشةِ وجه رابع: على فرضِ التسليم بأنَّ أولي الأمرِ هم العلماء، فالآيةُ متوجهةٌ إلى العامي، وليستْ متوجهةً إلى المتمذهبِ المتأهلِ للنظرِ في الأدلةِ.
وجه الدلالة: أنَّ اللهَ تعالى أوجبَ على الناسِ قبولَ نذارةِ المنذرِ إليهم، وهذا أمرٌ بتقليدِ العالمِ (٢)، ويدخلُ تحتَ الأمرِ كلُّ مَنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ في الشريعةِ.
مناقشة الدليل الثالث: إنَّ الله تعالى لم يأمر الناسَ بقبولِ ما يقولُه المنذرُ مطلقًا، وإنَّما أَمَرَ بقبولِ ما أنذرهم به مِن الوحي الذي ينزلُ في غيبتِهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجهادِ، والإنذارُ إنَّما يكونُ بالحجةِ والوحي، والنذيرُ: مَنْ أقامَ الحجةَ.
ويدلُّ على هذا المعنى: ما ذكره الله تعالى عن خزنةِ النارِ: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ}(٣)، وما جاءَ في قوله تعالى:{إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ}(٤)، ومَنْ لم تقمْ عليه حجةٌ لم يكنْ قد أُنذِر، فالآية متوجهةٌ إلى الروايةِ، وليس فيها ما يدلُّ على قَبولِ رأي العالمِ (٥)، وقوله تعالى:{لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}(٦) يدلُّ
(١) من الآية (١٢٢) من سورة التوبة. (٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١١٦)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٨٠)، والبحر المحيط (٦/ ٢٨٢)، وإرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٧٩)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ٣٢٩)، وأضواء البيان (٧/ ٥٣٤)، واللامذهبية للدكتور محمد البوطي (ص/ ٧١)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ١٠٩). (٣) من الآية (٨) من سورة الملك. (٤) من الآية (٤٥) من سورة الأنبياء. (٥) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١١٧)، وإعلام الموقعين (٣/ ٥٦٥)، وإرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٧٩)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ٣٢٩)، وأضواء البيان (٧/ ٥٦٠)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ١٠٩). (٦) من الآية (١٢٢) من سورة التوبة.