يقولُ ابنُ القيّمِ:"ما ذكرتُم بعينِه حجةٌ عليكم! فإنَّ اللهَ سبحانه أَمَرَ بسؤالِ أهلِ الذّكرِ، والذكرُ: هو القرآنُ والحديثُ - الذي أمر اللهُ نساءَ نبيه أنْ يَذْكُرْنَه بقولِه:{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ}(١) - فهذا هو الذكرُ الذي أَمَرَنا اللهُ باتباعِه، وأَمَر مَنْ لا علم عنده أنْ يسألَه أهله، وهذا هو الواجب على كلِّ أحدٍ أنْ يسألَ أهلَ العلمِ بالذكرِ الذي أنزله على رسولِه؛ ليخبروه به، فإذا أخبروه به لم يسعه غيرُ اتباعِه، وهذا كانَ شأنُ أئمةِ أهلِ العلمِ، لم يكنْ لهم مقلَّدٌ معيّنٌ يتبعونه في كلِّ ما قالَ"(٢).
الجواب عن الوجه الثاني: مِنْ أينَ لكم أنَّ المرادَ بالآيةِ الكريمةِ ما قلتُم؟ إنْ كان مِنْ منطوقِ الآية، فممنوعٌ، وإنْ كان مِنْ مفهومِها فممنوعٌ أيضًا، ومجرّدُ بيانِ الذّكرِ لا يفيدُ ما قلتُم.
وأيضًا: لم يلتزم الأئمةُ ذكر أدلةٍ على أقوالِهم إذا سُئلوا عن حكمِ مسألةٍ ما (٣)، ولو كان المرادُ بالآيةِ ما ذكرتم؛ لقالَ: فاسألوا عن الذِّكرِ (٤).
وإذا كانَ السائلُ لأهلِ الذكرِ ممَّنْ يجوزُ له التقليدُ - كالمتمذهبِ الذي ليس لديه أهليةُ النظرِ في الأدلةِ، والمتمذهب المتأهل الذي لم يتمكنْ مِن النظرِ - فله أنْ يسألَ عن رأي عالمٍ ما يرى أنَّه إنْ أَخَذَ بقولِه فقد اتَّبعَ الشرعَ، وفي هذه الحالِ لا لومَ عليه لو أَخَذَ أقوالَ إمامِه؛ لقناعتِه بعلمِه وفضلِه.
الوجه الثالث: أنَّ الآيةَ الكريمةَ متوجهٌ إلى العامي الصِرْفِ الذي لا يعرفُ معاني النصوصِ وتأويلاتها، أمَّا العالمُ بمعاني النصوصِ، العارفُ بالأدلةِ، فلا تتوجه الآيةُ إليه (٥).
يقولُ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي: "إنْ كانت الآيةُ تدلُّ على نوعِ
(١) من الآية (٣٤) من سورة الأحزاب. (٢) إعلام الموقعين (٣/ ٥٢٩). (٣) انظر: بلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ٣٦، ٤١). (٤) انظر: فوائد في علوم الفقه لحبيب الكيرواني (ص/ ٢٤). (٥) انظر: إرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٦٩)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٣٨).