للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وسأبينُ موقفَ ابنِ القيمِ في ضوءِ الآتي:

أولًا: حدّدَ ابنُ القيمِ التقليدَ الَّذي حذَّر منه في مواضع متعددةٍ مِنْ مؤلفاتِه، بأنَّه: المعرفةُ الحاصلةُ دونَ دليل (١)، فقالَ: "العجبُ أنَّ كلَّ طائفةٍ مِن الطوائف، وكلَّ أمةٍ مِن الأممِ تدّعي أنَّها على حقٍّ، حاشا فرقة التقليدِ؛ فإِنَّهم لا يدَّعون ذلك - ولو ادَّعوه لكانوا مبطلين - فإِنَّهم شاهدون على أنفسِهم بأنَّهم لم يعتقدوا تلك الأقوال لدليلٍ قادهم إِليه، وبرهانٍ دلّهم عليه، وإِنَّما سبيلُهم محضُ التقليدِ" (٢).

ونصَّ في موضعٍ آخر على أنَّ الشخصَ إِذا أقامَ الدليلَ على ما ادَّعاه، فإِنَّه قد انتقلَ مِنْ منصبِ التقليدِ إِلى منصبِ الاستدلالِ (٣).

وبناءً على ما سَبَقَ، متى كانَ أخذُ القولِ عن دليلٍ، فإِنَّه ليس بتقليدٍ.

ثانيًا: بيّنَ ابنُ القيمِ الصورةَ المذهبيةَ القاتمة الَّتي كانت في عصرِه، والتي حذَّرَ منها، فقالَ: "ثُمَّ كلٌّ منهم - أيْ: مَنْ يقلِّدُ إِمامَه - يَعْرِفُ مِنْ نفسِه أنَّه مقلِّد لمتبوعِه، لا يفارقُ قولَه، ويترك له كل ما خالفه مِنْ كتابٍ أو سنةٍ أو قولٍ صاحبٍ، نعلم بالضرورةِ أنَّه لم يكنْ في عصرِ الصحابةِ رجلٌ واحدٌ اتخذ رجلًا منهم يقلِّده في جميع أقوالِه، فلم يسقطْ منها شيئًا، وأَسْقَطَ أقوالَ غيرِه، فلم يأخذْ منها شيئًا" (٤).

ويقولُ في موطنٍ آخر مبيّنًا حالَ بعضِ المتمذهبين المقلِّدين لأئمتِهم: "على أيِّ شيءٍ كان الناسُ قبلَ أنْ يولدَ فلانٌ وفلانٌ الذين قلّدتموهم، وجعلتُم أقوالَهم بمنزلةِ نصوصِ الشارعِ؟ ! " (٥).

ويقولُ في سياقٍ آخر: "هل في هذا - أيْ: في تقليدِ عمر لأبي بكرٍ - رضي الله عنهما - في مسألةٍ واحدةٍ - دليل على جوازِ اتخاذِ أقوالِ رجلٍ بعينِه بمنزلةِ


(١) انظر: إِعلام الموقعين (٢/ ١١)، وانظر منه: (٣/ ٤٦٢).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٤٨٤).
(٣) انظر: المصدر السابق (٣/ ٤٨٦، ٥٢٧).
(٤) المصدر السابق (٣/ ٤٨٤).
(٥) المصدر السابق (٣/ ٤٨٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>