ولما ألَّف كتابَه:(الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي)، بَدَأَ بالإِمامِ مالكٍ؛ ولعلَّ مردّ ذلك إِلى كونه مالكي المذهبِ.
ومِنْ أقوى ما يدلُّ على نسبتِه المذهبية إِلى المالكية ترجيحَه للمتعلمِ أنْ يتفقه على مذهبِ الإِمامِ مالكٍ، يقول في هذا الصددِ:"الاختيارُ له - أيْ: للمتعلم - أنْ يجعلَ إِمامَه في ذلك إِمامَ أهلِ المدينةِ، دار الهجرة، ومعدِن السُنّةِ"(٢).
وجاءَ هذا الكلامُ في كتابِه:(جامع بيان العلم وفضله) الَّذي حذَّر فيه مِن التقليدِ.
ويتلخص أمران ممَّا سَبَقَ:
الأمر الأول: أنَّ مرادَ ابنِ عبد البر بالتقليدِ هو أخذُ المتمذهب قولَ عالمٍ، دونَ معرفةِ دليلِه، وأخذُه القول مع ظهورِ خطئِه.
الأمر الثاني: أن ابنَ عبد البر لم يحارب التمذهبَ بكافّةِ صورِه، بلْ حاربَ التقليدَ المذهبيَّ، فلم يحارب المذاهبَ الفقهيةَ، ولم يحارب مجتهدي المذاهبِ.
٣ - : ما جاء عن تقي الدين بن تيمية:
جاءَ عن تقي الدينِ بنِ تيمية كلامٌ في التمذهبِ والتقليدِ، وسأبينُ الأمورَ الأساسية في كلامِه؛ لتتضحَ الصورةُ الَّتي عارضها، وحذّر منها:
أولًا: خبرةُ تقي الدين بنِ تيميةَ الواسعةُ، ومعرفتُه القويّةُ بمذهبِ الحنابلةِ، وهذا أمرٌ لا يحتاجُ إِلى إِقامةِ دليلٍ عليه، وخبرتُه خبرة مَنْ بَلَغَ النهايةَ في معرفةِ المذهبِ الحنبلي.
(١) انظر: الديباج المذهب (٢/ ٣٦٧). (٢) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٣٤).