ويمكن الجواب عن الوجه الرابع: بأنَّ مرادَ إِمامِ الحرمين الجويني منعُ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي بعدَ استقرارِ المذاهبِ، لا مطلق تقليدِه، وبهذا يَسلمُ الإِجماعُ مِنْ معارضةِ الإِجماعات الأخرى.
وقد علَّقَ شهابُ الدين القرافي على ما ذكره إِمامُ الحرمين بأنَّ كلامَه يخلو مِن الأدبِ مع الصحابةِ - رضي الله عنهم - (٣).
واشتدَّ غَضَبُ ابنِ القيّمِ على ما ذكره إِمامُ الحرمين الجويني، فقال متعقبًا له - دونَ أنْ يصرِّحَ ابنُ القيمِ باسمِ إِمام الحرمين -: "بلْ قد صرَّحَ بعضُ غلاتِهم في بعضِ كتبِه الأصوليةِ أنَّه لا يجوزُ تقليدُ أبي بكرٍ وعمر، ويجبُ تقليدُ الشَّافعي! فيا لله العجب الَّذي أَوْجَبَ تقليدَ الشَّافعي، وحرَّم عليكم تقليدَ أبي بكرٍ وعمر ... ونحمدُ اللهَ على أنْ عافانا ممَّا ابتلى به مَنْ حرَّمَ تقليدَهما، وأوجبَ تقليدَ متبوعِه مِن الأئمةِ"(٤).
الدليل الثالث: أنَّ الصحابةَ - رضي الله عنهم - والتابعين - وإِنْ كانوا أعلم وأعلى درجة ممَّنْ بعدَهم - لم يتفرغوا لتدوينِ العلمِ، وضبطِ أصولِه وفروعِه، وليس لأحدٍ منهم مذهبٌ محرّرٌ مقرّرٌ مستوعبٌ للأصولِ والفروعِ، ولم يقرروا لأنفسِهم أصولًا تفي باحكامِ الحوادثِ، وإِنْ وُجِدَ لبعضِهم أصولٌ، فإِنَّها لا تفي بجميعِ الحوادثِ - بلْ إِنَّ بعضَها لم يثبتْ حق الثبوتِ - وإِنَّما قامَ بذلك مَنْ جاءَ بعدهم مِن الأئمةِ الناخلين لمذاهبِ الصحابةِ والتابعين، القائمين