وأنا أقول: إن أنكر وجدان شيء استوى الطرفان فيه شرعًا باعتبار ذاته فقد خرق حجاب الهيئة (١) بلا شكٍ، وجحد كثيرًا مما وقع عليه الإجماعُ.
وإن قال: لا أنكر ذلك ولكن أنكر تسميته بالمُبَاح فهو خارج عن اصطلاح حملة (٢) الشَّريعة في تسميتهم ما استوى الطرفان فيه بالمباح، ولا أستطيع أن أقول: إنه مرتكب بذلك حرامًا، إذ غايته الخروج عن (٣) أمر اصطلاحي، وليس فيه مخالفة حكم شرعي ولا جحوده.
الشرح:"وقول الأستاذ: الإباحة تكليفٌ بعيدٌ"(٤) أبعد مما قاله في المَنْدُوب والمكروه؛ لأن الإباحة لا كُلْفةَ فيها، بخلافهما، ولذلك خالفه هنا من وافقه فيهما، وهو قد قال: إن مراده وجوب اعتقاد الإباحة.
وهذا فيه رَدّ الكلام إلى الواجب، وهو من التكليف بلا ريب، ثم الخلاف لفظي.
(١) في أ، ت: الهيبة. (٢) في ح: جملة. (٣) في ح: غير. (٤) ينظر: البرهان ١/ ١٠٢، والمنخول ص (٢١)، والمستصفى ١/ ٧٤، والمحصول ١/ ٣٥٧، والإحكام للآمدي ١/ ١١٧، وروضة الناظر ص (٢٣)، والمسودة ص (٣٦)، وتيسير التحرير ٢/ ٢٢٥، وفواتح الرحموت ١/ ١١٢، والوصول إلى الأصول ١/ ٧٧، وشرح العضد ٢/ ٦، والمحلى على جمع الجوامع ١/ ١٧١. المباح لغة: مشتق من الإباحة بمعنى الظهور والإعلان والإبانة، فهو مأخوذ من البوح: ظهور الشيء، والمباح اسم مفعول من الإباحة، وقد يرد المباح بمعنى الإطلاق والإذن، ومنه يقال: أبحتك الشيء، أي أحللته لك وأطلقتك فيه بمعنى أذنته لك. وهذا المعنى الأخير - الإذن" قريب من المعنى الاصطلاحي الشرعي. ينظر: لسان العرب ١/ ٣٨٤.
ذكر علماء الأصول تعريفات كثيرة للمباح منها: ما عرفه صدر الشريعة بأنه: فعل المكلف الذي يستوي فعله وتركه - أي في نظر الشارع - وبلفظ آخر: الفعل الذي خير الشارع المكلف فيه بين فعله وتركه. وعرفه ابن السبكي بأنه: ما دلَّ خطاب الشارع المتعلق بفعل المكلف على التخيير بين فعله وتركه. وعرفه البيضاوي بأنه: ما لا يتعلق بفعله وتركه مدح ولا ذم. وعرفه ابن بدران بأنه: ما اقتضى خطاب الشارع التسوية بين فعله وتركه، ومدحه وذمه من غير مدح يترتب على فعله، ولا ذم يترتب على تركه.