أَيْ فَخَاطِبٌ جَوَّزَ الِاتِّبَاعَ مَعَ حَرْفِ الْعَطْفِ وَهُوَ الْفَاءُ.
وَأَمَّا الْكَعْبُ فَهُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ الْمُتَّصِلُ بِعَظْمِ السَّاقِ وَهُوَ الْمَفْهُومُ فِي اللِّسَانِ إذَا قِيلَ ضَرَبَ كَعْبَ فُلَانٍ وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَلْصِقُوا الْكِعَابَ بِالْكِعَابِ فِي الصَّلَاةِ»، وَفِي قَوْلِهِ: {إلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: ٦] دَلِيلٌ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ مَا يُوَحَّدُ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ يَذْكُرُ تَثْنِيَتَهُ بِعِبَارَةِ الْجَمْعِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: {إنْ تَتُوبَا إلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: ٤] أَيْ قَلْبَاكُمَا وَمَا كَانَ مَثْنًى يَذْكُرُ تَثْنِيَتَهُ بِعِبَارَةِ التَّثْنِيَةِ فَلَمَّا قَالَ إلَى الْكَعْبَيْنِ عَرَفْنَا أَنَّهُ مَثْنًى فِي كُلِّ رِجْلٍ، وَذَلِكَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ، وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ: الْمِفْصَلُ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْكَعْبَ اسْمٌ لِلْمِفْصَلِ وَمِنْهُ كُعُوبُ الرُّمْحِ أَيْ مَفَاصِلُهُ وَاَلَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ مِفْصَلٌ وَهُوَ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ وَهَذَا سَهْوٌ مِنْ هِشَامٍ لَمْ يُرِدْ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَفْسِيرَ الْكَعْبِ بِهَذَا فِي الطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ فِي الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ أَنَّهُ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَفَسَّرَ الْكَعْبَ بِهَذَا، فَأَمَّا فِي الطَّهَارَةِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْعَظْمُ النَّاتِئُ كَمَا فَسَّرَهُ فِي الزِّيَادَاتِ فَإِنْ تَوَضَّأَ مَثْنَى مَثْنَى أَجْزَأَهُ وَإِنْ تَوَضَّأَ مَرَّةً سَابِغَةً أَجْزَأَهُ وَتَفْسِيرُ السُّبُوغِ التَّمَامُ وَهُوَ أَنْ يُمِرَّ الْمَاءَ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْمَغْسُولَاتِ جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً»، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَذِرَاعَيْهِ مَرَّتَيْنِ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كَانَ كَثِيرًا مَا يَتَوَضَّأُ مَرَّةً مَرَّةً. وَقَالَ هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ - تَعَالَى - الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ هَذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي وَوُضُوءُ خَلِيلِ اللَّهِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَمَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ»، أَيْ زَادَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ نَقَصَ عَنْهَا أَوْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ أَوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ مُعْتَقِدًا أَنَّ كَمَالَ السُّنَّةِ لَا يَحْصُلُ بِالثَّلَاثِ، فَأَمَّا إذَا زَادَ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ الشَّكِّ أَوْ بِنِيَّةِ وُضُوءٍ آخَرَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ أَمَرَ بِتَرْكِ مَا يَرِيبُهُ إلَى مَا لَا يَرِيبُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ هُنَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ تَعْلِيمُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ الْمَنَامِ وَلَيْسَ فِيهِ اسْتِنْجَاءٌ، وَلِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ بِالْحَجَرِ لَيْسَ مِنْ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: إنَّ هَذَا شَيْءٌ أُحْدِثَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، وَرُبَّمَا قَالَ هُوَ طَهُورُ النِّسَاءِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ بَلْ لِاكْتِسَابِ زِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ. جَاءَ فِي
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.