فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} فلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى مَنْ نَهَاهُمْ عَنْ هَذَا الصَّنِيعِ الشَّنِيعِ الْفَظِيعِ أنجى اللهُ {الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} وَهُمُ الْفِرْقَةُ الْآمِرَةُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِيَةُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَخَذَ {الَّذِينَ ظَلَمُوا} وَهُمُ الْمُرْتَكِبُونَ المعصية الْفَاحِشَةَ {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} وَهُوَ الشَّدِيدُ الْمُؤْلِمُ الْمُوجِعُ {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} وقال لَهُمْ: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}. فأَهْلَكَ اللهُ الظَّالِمِينَ، وَنَجَّى الْمُؤْمِنِينَ الْمُنْكِرِينَ (١).


(١) واخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في مصير السَّاكِتِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ؛ فَقِيلَ: إِنَّهُمْ مِنَ النَّاجِينَ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ مِنَ الْهَالِكِينَ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أنَّهُمْ مِنَ النَّاجِينَ. وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، إِمَامُ الْمُفَسِّرِينَ، وَذَلِكَ عِنْدَ مُنَاظَرَةِ مَوْلَاهُ عِكْرِمَةُ، فَكَسَاهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حُلَّةً سَنِيَّةً؛ تَكْرِمَةً. وَإِنِمَّا لَمْ يُذْكَرُوا مَعَ النَّاجِينَ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَرِهُوا بِبَوَاطِنِهِمْ وأنكروا بقلوبهم تِلْكَ الْفَاحِشَةَ، إِلَّا أَنَّهُمْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا ظَوَاهِرَهُمْ بِالْعَمَلِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنَ الْإِنْكَارِ الْقَوْلِيِّ، الَّذِي هُوَ أَوْسَطُ الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثِ، الَّتِي أَعْلَاهَا الْإِنْكَارُ بِالْيَدِ ذَاتِ الْبَنَانِ، وَبَعْدَهَا الْإِنْكَارُ الْقَوْلِيِّ بِاللِّسَانِ، وَثَالِثُهَا الْإِنْكَارُ بِالْجَنَانِ. فَلَمَّا لَمْ يُذَكِّرُوا، لَمْ يُذْكَرُوا مَعَ النَّاجِينَ، والله أعلم.

<<  <   >  >>