الفصل بين الحريتين خرافة، استخفاف بجوهر الحرية، وهو أنها كل، وهو يتجاهل كون الحرية الشخصية، النفسية الحميمة، هي الأساس لكل حرية، وللحريات السياسية والاجتماعية) (١).
منطوق هذا الكلام أنه لا يُمكن حصول التحرر السياسي والاجتماعي إلّا بالتحرر الجنسي، أي أنه لا يصبح الفرد أو المجتمع متصفًا بالحرية حتى يمارس الدعارة الجنسية كما يريد، حين تعاشر الزوجة على فراش زوجها من تريد، وحين يُلاط بالولد، ويُزنى بالبنت، وحين تقام بيوت الدعارة وبيوت الشذوذ الجنسي، حين تمارس العملية الجنسية على قارعة الطريق، بل حين يزني الرجل بأمه وأخته وابنته، هذه هي الحرية الجنسية التي يدعو إليها أنسي الحاج ويعتبرها أساس كل حرية.
وهي الدعوة نفسها التي فاه بها الداعر الحداثي الكبير نزار قباني في قوله:(الجنس هو صراعنا الأبدي، والكابوس الذي يفترسنا ليلًا ونهارًا، وإذا كنت تسألني عن حجم هذه المشكلة الجنسية فإنني أقول لك إنها بحجم جماجمنا تمامًا، بحيث لا يوجد تلفيف واحد من تلافيف النخاع العربي، غير مصاب بورم الجنس، أنا يائس من كل ثورية تجعل الجنس على هامش دعوتها، ويائس من كل نظام تقدمي، يترك جسد الإنسان العربي في بئر الكبت، ومضاجعة غلافات مجلات الجنس.
إن الأرض العربية حبلى بألوف المشاكل والعاهات التاريخية، لكن مشكلة الجنس هي رأس الأفعى، وما لم يقطع هذا الرأس فسيبقى جسد العربي، وفكره وسلوكه، وعلاقاته بالحياة والأشياء جسدًا متقيحًا ومتورمًا، وواقعًا تحت مورفين الرغبات والأحلام. . . إنني لا أؤمن أصلًا بإمكان قيام حضارة يكون فيها جسد الإنسان منفيًا عنها، فالشعوب التي يفترسها هاجس الجنس في صحوها ونومها لا يُمكن أن تكتب أو تفكر أو تقوم بأي إنجاز حضاري) (٢).
(١) المصدر السابق، العدد ٩ مارس ١٩٨٩ م: ص ٨. (٢) أسئلة الشعر: ص ١٩٨ - ١٩٩.