للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

على هذا الأصل الذي أسسه أدونيس، وتبعه من تبعه من المقلدين له اتجهت سهامهم نحو كل ما له صفة مؤسسة ثابتة، وخاصة ما كان ينبع من عقيدة الإسلام ويتفرغ من شريعته.

ولاشك أن الأخلاق من أعظم الأمور التي لها سلطة معنوية على النفوس تمنعها من التردي والفساد، كما أن رقابة المجتمع المسلم على سلوك الناس له تأثير وفاعلية؛ ولذلك يطالب الحداثيون بتحطيم سلطة الأخلاق وتهديم سور المجتمع، وإبادة ضوابط السلوك والآداب؛ لأنها تشكل سدًا أمام رغباتهم الضالة وشهواتهم الفاسدة، وتعيق تقدمهم وانتصارهم الذي يأملون.

وفي النص السابق من كلام أدونيس وجبران إشارة واضحة على تبنيهم رأي فرويد القائل بأن الدين والأخلاق والمجتمع عوامل كبت لابد من تخطيها وتجاوزها، وهذا يؤكد مقدار التبعية والمحاكاة في الأفكار والمشروعات التي يقدمها الحداثيون.

ومن هنا كانت أعمالهم وأقوالهم في شأن الأخلاق تستهدف هدم الأخلاق، وجحد وجودها واعتبارها نسبية اعتبارية ليست أصيلة ولا ثابتة، وتذم الأخلاق القوية والسلوكيات الفاضلة، وتعتبر الاستمساك بها علاقة تخلف وجمود، في الوقت الذي أغدقوا فيه مدائحهم على الأخلاق الرذيلة، ودعوا إليها واعترفوا بمقارفتهم لها مفاخرين!!.

وعودة إلى أدونيس وموقفه الحداثي التأصيلي الذي يرسمه لأتباعه في قضية الدين والأخلاق، يقول عن كتاب المجنون لجبران (قلت أن كتاب المجنون هدمي، وهو لذلك يضعنا في مناخ العدمية، نشعر أن الأخلاق والقيم الدينية تهدمت في العالم الذي يسكنه المجنون، لم تعد ثمة غاية ولا اتجاه، ولم يعد ثمة نور يضيء ولا طريق، بل لم يعد ثمة مكان. . . كل نقد جذري للدين والفلسفة والأخلاق يتضمن العدمية، ويؤدي إليها، وهذا ما عبر عنه نيتشه بعبارة "موت اللَّه" وقد رأينا أن جبران قتل اللَّه هو كذلك،

<<  <  ج: ص:  >  >>