الأوسع في الوصول إلى صميم الحياة بهذه الوسائل المفسدة (١).
وما سلم من تأثيرها إلّا من سلّمه اللَّه، وهم قلة إزاء الأعداد الهائلة التي استجابت كليًا أو جزئيًا لهذه المفسدات، وليس هذا من باب التشاؤم المبالغ فيه أو النظرة السوداوية كما يقول أرباب التبرير والتفاؤل الأخرق، بل الواقع في بلدان العالم الإسلامي يشهد بأعظم وأشنع مما وصفت، وخاصة بين قطاعات المثقفين والإداريين والإعلاميين، وبين فئات الشباب والشابات إلّا من رحم اللَّه، وقليل ما هم.
ولا يعني ذلك أن الأمة انسلخت تمامًا عن كل قيمها وأخلاقها، ولكن الكلام هنا عن آثار هذه الوسائل في حياة المسلمين وتأثرهم بها، سواء قل هذا التأثر أو كبر، عظم أو صغر، ومما لا ريب فيه أن ذلك من أعظم طموحات ومشروعات أهل العلمنة والحداثة، وسوف أورد من أقوالهم ما يدل على تبنيهم الحرب ضد أخلاق الإسلام وقيمه، وسعيهم في إيجاد قيم وأخلاق شهوانية أو مادية حيوانية مستوردة، وكلا الأمرين متداخلان، بل هما وجهان لعملة واحدة.
فأمَّا محاربتهم للأخلاق الإسلامية والسخرية بها وبأهلها فإنه يتبين ذلك بالعودة إلى موقفهم من الإيمان باللَّه تعالى والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، حيث تبين بالشواهد في الفصول المختصة بهذه الأركان أن الحداثيين في شأنها بين جاحد ملحد مجاهر بجحده وإلحاده، وشاك مرتاب يصب ضلاله في نهاية الأمر في مستنقع الكفر، وهم بهذا الجحد والريب يكسرون معاقد الأخلاق الفاضلة ويحطمون صلب القيم الأخلاقية عند المسلمين.
ذلك أن الأخلاق في الإسلام -كغيرها- تنبع من العقيدة الإسلامية القويمة، التي تصون وتحمي وتعلي وترفع الإنسان في كل شؤون حياته وكل مناشط أعماله، وهي الجذر الحقيقي لكل الفضائل والأخلاق، وكل الآداب
(١) اقتبست الكلام السابق عن وسائل الإفساد الخلقي من كتاب أجنحة المكر الثلاثة لعبد الرحمن الميداني: ص ٣٤١ - ٣٨٤.