نرى، مع ذلك، لماذا هي شيء لابد منه، إذا ما أردنا أن نعالج بشكل دقيق المكان الذي أتيح للتاريخية أن تحتله في الإسلام) (١).
وهكذا يتبدى لنا أركون في أوضح صورة من صور استهانته بالإسلام والقرآن، وتقديسه للمنهج التاريخي، واستخدامه له على أساس اعتقادي ديني يزن به أمور الإسلام والقرآن ويجعل منه الميزان للحكم والقبول والرد، وللماضي والحاضر والمستقبل.
وفي موضع آخر يتحدث بصورة تشكيكية عن ثبوت القرآن، ويؤكد أن القطع بذلك إنما هو من قبل الروح "الدوغمائية (٢) " أي المنغلقة القاطعة بانفرادها بالحقيقة.
ثم يتحدث عن جمع أمير المؤمنين عثمان -رضي اللَّه عنه- للمصحف وتوحيد المصاحف عليه بأن ذلك من قبل الهيجان السياسي الديني، الذي قام بفرض نسخة رسمية واحدة، وأن المسلمين يثنون بدوغمائية على هذا الموقف، ثم يقرر في الصفحة نفسها بأن (الفكر الإيجابي "الواقعي" هو فكر تاريخي) (٣).
فتأمل "الدغومائية" التاريخية التي غرق فيها، والرمي بالظنون والتهم على أعظم وأهم مصدر من مصادر الدين الإسلامي، والتشكيك في ثبوته. إنه القطع والجزم بصحة الأوهام والافتراضات، في سبيل وصم الحقيقة الثابتة بالشك، وإلحاقها بالأوهام.
وهذا النوع من الجدل واللدد في الخصومة أسلوب قديم من أساليب الكافرين، حيث تقوم معاداتهم للحق على أساس الجدال بالباطل والتي هي
(١) المصدر السابق: ص ١١٣ - ١١٤. (٢) الدغمائية: حالة المذهب عندما تنفرد بالحقيقة، فلا تجيز لغيرها الحق في ادعائها أو الشك فيما جاءت به أو مناقشته، ويطلق أيضًا على بعض النظريات الفلسفية التي تقول بأنها القول الفصل فيما ذهبت إليه من تفسير للكون وللمسائل الفلسفية. انظر: المفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة ص ٨٠. (٣) الفكر الإسلامي لأركون: ص ١٢٦.