للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يمتلك هذه الأحقية لكونه كتاب اللَّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كما يعتقد كل مؤمن، بل يرى أن هذه السيادة والأحقية نالها القرآن بالفرض السياسي منذ أن تم جمع المصحف.

ويتحدث أركون في موضع آخر من كتابه عن ما يسميه "ظاهرة التقديس" للقرآن العظيم، فيرى أنها من ممارسة (الذين يستمتعون في اجترار نفس الكلام بسبب الكسل أو الجهل) (١)، ويرى أن المشروع الأسمى هو أن (نجمد كالاقنوم عامل التقديس الموجود في القرآن والأناجيل والتوراة) (٢)، وأنه لابد من (بلورة نظرية مُرضية لظاهرة التقديس، أو لانبثاق ظاهرة التقديس ومنشئها ومسارها داخل الوعي، ودعاماتها المتغيرة في الوجود البشري، فإننا عندئذٍ نكتشف أن مشاكل الصحة والموثوقية أو الاختراع والتحريف الذي لحق بالنصوص المتلقاة على أنها مقدسة، أقول: نكتشف بأن هذه المشاكل ثانوية في الحقيقة، أن منطق الثالث المرفوع "منطق الصحة أو اللاصحة" يبدو عندئذٍ تافهًا لا أهمية له لأننا نكتشف قارات أخرى من الحقيقة النفسية واللغوية والتاريخية للإنسان، كانت هذه القارات قد طمرت أو طمست وأزيحت من ساحة البحث والتفكير عن طريق ثيولوجيا (٣) من نوع منطقي - مركزي. . . .) (٤).

إن اطراح أركون لقضية الصحة والموثوقية لنصوص الوحي واعتبارها قضية تافهة لا أهمية لها، مجرد دعوى يغطي بها مقصده من منهجيته القائمة على دراسة "التقديس" أو تجميد التقديس من خلال ما يسميه الحقيقة النفسية واللغوية والتاريخية بعيدًا عن أي نظرة دينية أو حسب تعبيره ثيولوجية، إن هذه الالتفافة البعيدة سوف يصل من خلالها إلى إسقاط صحة وموثوقية النص القرآني المقصود بدراسته، وهذا ما يحاول فعله حقيقة تحت أردية الألسنة والتاريخية؛ لأن إسقاط القداسة أو تجميد القداسة سوف يؤدي إلى جعل القرآن مثل أي كلام بشري، فلا حرمة له ولا مكانة، ويُمكن مناقشته


(١) و (٢) و (٤) المصدر السابق: ص ٥٨.
(٣) سبق بيانه ص ١٠٦٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>