وقد نفى الله الخير عن كثيرٍ مما يتناجى به الناسُ بينهم، فقال:{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}[النساء: ١١٤].
وخرَّج الترمذي، وابن ماجه من حديث أمِّ حبيبة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"كلُّ كلام ابن آدمَ عليه لا له إلا الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر، وذكرَ الله عزَّ وجلَّ"(١).
وقد تعجب قومٌ من هذا الحديثِ عندَ سفيان الثوري، فقال سفيان: وما تعجُّبُكم من هذا، أليسَ قد قال الله تعالى:{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}[النساء: ١١٤] أليس قد قال الله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا}[النبأ: ٣٨]؟
وخرَّج الترمذي من حديث أنس قال: تُوفِّيَ رجُلٌ من أصحابه - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رجل يعني: أبشرْ بالجَنَّةِ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أولا تدري، فلعلَّه تَكلَّم بِما لا يَعنيه أو بَخِلَ بما لا يُغنِيه"(٢). وقد روي معنى هذا الحديث من وجوه
(١) رواه الترمذي (٢٤١٢) وابن ماجه (٣٩٧٤)، وقال الترمذي: حديث حسن مع أن في سنده أمَّ صالح، لا تعرف. (٢) رواه الترمذي (٢٣١٦) وأبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٥٥ - ٥٦ من طريق الأعمش عن أنس، ورجاله ثقات إلا أن الأعمش لا يثبت له سماع من أنس، وقال المنذري: رجاله ثقات. ورواه أبو يعلى في "مسنده" (٤٠١٧) وابن أبي الدنيا في "الصمت" (١٠٩) من طريق عبد الرحمن بن صالح الأزدي: حدثنا يحيى بن يعلى الأسلمي عن الأعمش عن أنس قال: استشهد غُلامٌ مِنَّا يومَ أُحد، فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع، فمسحتْ أمُّه الترابَ عن وجهه، وقالت: هنيئًا لك يا بُنيَّ الجنّة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما يُدريك لعلَّه كان يتكلَّم فيما لا يعنيهِ ولا يمنَعُ ما لا يضرُه".=