يره إذ رآه؛ لأنه أوقع العقد على ما لا يعلمه، وذلك غرر بلا شك ك.
فهذا ما أمكن استحضاره عند تحرير هذا الجواب من الأدلة الدالة على ثبوت الخيار. وقد أوضحنا أن العلة في جميع ذلك هو الغرر كما تقتضيه مسالك العلة (١) المدونة في
(١) العلة ركن من أركان القياس فلا يصح بدونها لأنها الجامعة بين الأصل والفرع - وهي في اللغة اسم لما يتغير الشيء بحصوله أخذا من العلة التي هي المرض لأن تأثيرها في الحكم كتأثير العلة في ذات المريض، يقال: اعتل فلان: إذا مال عن الصحة إلى السقم، وقيل: إنها مأخوذة من بعد النهل، وهو معاودة الشرب مرة بعد مرة لأن المجتهد في استخراجها يعاود النظر مرة بعد مرة. انظر: " القاموس " (ص ١٣٣٨) و" لسان العرب " (٩/ ٣٦٥). وأما في الاصطلاح فاختلفوا فيها على أقوال: ١ - أنها المعرفة للحكم بأن جعلت علما على الحكم إن وجد المعنى وجد الحكم، قاله الصيرفي وأبو زيد من الحنفية. انظر: " البحر المحيط " (٥/ ١١٢). ٢ - أنها الموجبة للحكم بذاتها لا بجعل الله، وهو قول المعتزلة بناء على قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقليين، والعلة وصف ذاتي لا يتوقف على جعل جاعل. انظر: " المحصول " (٥/ ١٣٥). ٣ - أنها الموجبة للحكم عن معنى أن الشارع جعلها موجبة لذاتها وبه قال الغزالي وسليم الرازي. انظر: " الإبهاج " (٢/ ٤٠). ٤ - أنها الموجبة بالعادة، واختاره الفخر الرازي. انظر: " البحر المحيط " (٥/ ١١٣). ٥ - أنها الباعث على التشريع بمعنى أنه لا بد أن يكون الوصف مشتملا على مصلحة صالحة لأن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم. ٦ - أنها التي يعلم الله صلاح المتعبدين بالحكم لأجلها وهو اختيار الرازي وابن الحاجب. انظر: مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٠٩). ٧ - أنها المعنى الذي كان الحكم على ما كان عليه لأجلها، وللعلة أسماء تختلف باختلاف الاصطلاحات، فيقال لها: السبب، والأمارة، والداعي، والمستدعي، والباعث، والحامل، والمناط، والدليل، والمقتضي، والموجب، والمؤثر. شروط العلة: ١ - أن تكون مؤثرة في الحكم فإن لم تؤثر فيه لم يجز أن تكون علة. وقيل: معنى كون العلة مؤثرة في الحكم هو أن يغلب على ظن المجتهد أن الحكم حاصل عند ثبوتها لأجلها دون شيء سواها. ٢ - أن تكون وصفا ضابطا بأن يكون تأثيرها لحكمة مقصودة للشارع لا حكمية مجردة لخفائها فلا يظهر إلحاق غيرها بها. ٣ - أن تكون ظاهرة جلية وإلا لم يمكن إثبات الحكم بها في الفرع على تقدير أن تكون أخفى منه أو مساوية له في الخفاء، كذا ذكره الآمدي في جدله. " البحر المحيط " (٥/ ١٣٤)، " إرشاد الفحول " (ص ٦٨٨). ٤ - أن تكون سالمة بحيث لا يردها نص ولا إجماع. مثاله: أن يقول: أنا مسافر مثلا فلا تجب عليه الصلاة في السفر، قياسا على صومه في عدم الوجوب بالسفر بجامع المشقة. فيقال: هذه العلة مخالفة للإجماع على عدم اعتبار المشقة في الصلاة ووجوب إدائها على المسافر مع وجود مشقة السفر. " الكوكب المنير " (٤/ ٨٦)، " إرشاد الفحول " (ص ٦٨٨). ٥ - أن لا يعارضها من العلل ما هو أقوى منها. ٦ - أن تكون مفردة: أي كلما وجدت وجد الحكم لتسلم من النقص والكسر، فإن عارضها نقص أو كسر بطلت. انظر تفصيل ذلك في " إرشاد الفحول " (ص ٦٨٩)، " الكوكب المنير " (٤/ ٥٧). ٧ - أن لا تكون عدما في الحكم الثبوتي. أي لا يعلل الحكم الوجودي بالوصف العدمي. ٨ - أن لا تكون العلة المتعدية هي المحل أو جزء منه؛ لأن ذلك يمنع من تعديتها. ٩ - أن ينتفي الحكم بانتفاء العلة والمراد انتفاء العلم أو الظن به، إذ لا يلزم عن عدم الدليل عدم المدلول. ١٠ - أن تكون أوصافها مسلمة أو مدلولا عليها، كذا قال الأستاذ أبو منصور. ١١ - أن لا تكون موجبة للفرع حكما وللأصل حكما آخر غيره. ١٢ - أن لا توجب ضدين لأنها حينئذ تكون شاهدة لحكمين متضادين، قاله الأستاذ أبو منصور. ١٣ - أن لا يتأخر ثبوتها عن ثبوت حكم الأصل خلافا لقوم. ١٤ - أن يكون الأصل المقيس عليه معللا بالعلة التي يعلق عليها الحكم في الفرع بنص أو إجماع. ١٥ - أن يكون الوصف معينا لأن رد الفرع إليها لا يصح إلا بهذه الواسطة. ١٦ - أن يكون طريق إثباتها شرعيا كالحكم. ١٧ - أن لا يكون وصفا مقدرا. انظر تفصيل ذلك: " البحر المحيط "، " تنقيح الفصول " (ص ٤١٠ - ٤١١). ١٨ - إذا كانت مستنبطة فالشرط أن لا ترجع على الأصل بإبطاله أو إبطال بعضه لئلا يفضي إلى ترك الراجح إلى المرجوح. ١٩ - إن كانت مستنبطة فالشرط أن لا تعارض بمعارض مناف موجود في الأصل. ٢٠ - إن كانت مستنبطة فالشرط أن تتضمن زيادة على النص أي حكما غير ما أثبته النص. ٢١ - أن لا تكون معارضة لعلة أخرى تقتضي نقيض حكمها. ٢٢ - إذا كان الأصل فيه شرط فلا يجوز أن تكون العلة موجبة لإزالة ذلك الشرط. ٢٣ - أن لا يكون الدليل الدال عليها متناولا لحكم الفرع لا بعمومه ولا بخصوصه للاستغناء حينئذ عن القياس. ٢٤ - أن لا تكون مؤيدة لقياس أصل منصوص عليه بالإثبات على أصل منصوص عليه بالنفي. انظر: " البحر المحيط " (٥/ ١٥٧)، " الكوكب المنير " (٤/ ٥٣)، " الإبهاج " (٣/ ٩٣).