للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الأصول، وكذلك أوضحنا فيما سلف من أنواع الخيارات المدونة في كتب الفقه أن العلة هو الغرر كما تقتضيه أيضًا مسالك العلة (١) العشرة المقررة في علم الأصول


(١) قد اختلفوا في عدد هذه المسالك. فقال الرازي في " المحصول " (٥/ ١٣٧) عشرة [النص والإيماء والإجماع والمناسبة والدوران والسبر والتقسيم والشبه والطرد، وتنقيح المناط].
المسلك الأول: الإجماع، وهو نوعان إجماع على علة معينة كتعليل ولاية المال بالصغر، وإجماع على أصل التعليل وإن اختلفوا في عين العلة كإجماع السلف على أن الربا في الأصناف الأربعة معلل وإن اختلفا في العلة ماذا هي؟.
المسلك الثاني: النص على العلة: قال في " المحصول " (٥/ ١٣٩): ونعني بالنص ما يكون دلالته على العلة ظاهرة سواء كانت قاطعة أو محتملة، أما القاطع فما يكون صريحا وهو قولنا: لعلة كذا، أو لسبب كذا، أو لمؤثر كذا، أو لموجب كذا، أو لأجل كذا، قال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة: ٣٢].
وأما الذي لا يكون قاطعا فثلاثة: (اللام، وإن، والباء).
قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦].
قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنها من الطوافين ".
وأما الباء: فكقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأنفال: ١٣].
انظر مزيد تفصيل: " المسودة " (ص ٤٣٨)، " الكوكب المنير " (٤/ ١١٧).
المسلك الثالث: الإيماء والتنبيه، وضابط الاقتران بوصف لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيدا فيحمل على التعليل دفعا للاستبعاد وحاصله أن ذكره يمتنع أن يكون لا لفائدة لأنه عبث فيتعين أن يكون لفائدة وهي إما كونه علة أو جزء علة أو شرطا وإلا ظهر كونه على لأنه الأكثر في تصرفات الشرع، وهو أنواع:
١ - تعليق الحكم على العلة بالفاء وهو على وجهين:
أحدهما: أن تدخل الفاء على العلة ويكون الحكم متقدما كقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المحرم الذي وقصته الناقة: " فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا " - وهو حديث صحيح.
ثانيهما: أن تدخل الفاء على الحكم وتكون العلة متقدمة وذلك على وجهين:
أحدهما: أن تكون الفاء دخلت على كلام الشارع مثل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} [المائدة: ٣٨]. {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة: ٦].
ثانيهما: أن تدخل على رواية الراوي كقوله: سها رسول الله فسجد، وزنى ماعز فرجم.
٢ - أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا لو لم يكن علة لعري عن الفائدة. إما مع سؤال في محله أو سؤال في نظيره.
الأول: كقول الأعرابي: واقعت أهلي في رمضان، فقال: " أعتق رقبة " يدل على أن الوقاع علة للإعتاق والسؤال مقدر في الجواب كأنه إذا وقاعت فكفر.
الثاني: كقوله وقد سألته الخثعمية: إن أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة الحج أفينفعه إن حججت عنه؟ فقال: أرأيت لو كان على أبيك دين فضيته أكان ينفعه؟ قالت: نعم ... ".
٣ - أن يفرق بين حكمين لوصف، نحو قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: للراجل سهم وللفارس سهمان، فإن ذلك يفيد أن الموجب للاستحقاق لسهم والسهمين هو الوصف المذكور.
٤ - أن يذكر عقب الكلام أو في سياقه شيئا لو لم يعلل به الحكم المذكور لم ينتظم الكلام، كقوله تعالى: {وذروا البيع} [الجمعة: ٩]، لأن الآية سيقت لبيان وقت الجمعة وأحكامها، فلو لم يعلل النهي عن البيع بكونه مانعا من الصلاة أو شاغلا عن المشي إليها لكان ذكره عبثا لأن البيع لا يمنع منه مطلقا.
٥ - ربط الحكم باسم المشتق، فإن تعليق الحكم به مشعر بالعلية نحو: أكرم زيدا العالم فإن ذكر الوصف المشتق مشعر بأن الإكرام لأجل العلم.
٦ - ترتب الحكم على الوصف بصيغة الشرط والجزاء، كقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: ٢]، أي لأجل تقواه.
{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: ٣] أي لأجل تواكله لأن الجزاء يتعقب الشرط.
٧ - تعليل عدم الحكم بوجود المانع منه، كقوله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ} [الزخرف: ٣٣].
٨ - إنكاره سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لفائدة ولا لحكمة بقوله: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون: ١١٥].
٩ - إنكاره سبحانه أن يسوى بين المختلفين ويفرق بين المتماثلين.
الأول: كقوله تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} [القلم: ٣٥].
الثاني: كقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: ٧١].
وانظر مزيد تفصيل " إرشاد الفحول " (ص ٧٠٩ - ٧١٢)، " الكوكب المنير " (٤/ ١٤١).
المسلك الرابع: " الاستدلال على علية الحكم بفعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصورته أن يفعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد وقوع شيء فيعلم أن ذلك الفعل إنما كان لأجل ذلك الشيء الذي وقع، كأن يسجد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للسهو فيعلم أن ذلك السجود إنما كان لسهو قد وقع منه
. ". وقد يكون ذلك الفعل من غيره بأمره كرجم ماعز. وكذلك الترك له حكم الفعل كتركه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للطيب والصيد وما يجتنبه المحرم.
المسلك الخامس: السبر والتقسيم وهو في اللغة الاختبار ومنه الميل الذي يختبر به الجرح فإنه يقال له: المسبار، وسمي هذا به لأن المناظر يقسم الصفات ويختبر كل واحدة منها في أنه هل يصلح للغلبة أم لا.
وفي الاصطلاح الحكم هو قسمان: أن يدور بين النفي والإثبات، وهذا هو المنحصر. والثاني: أن لا يكون كذلك وهذا هو المنتشر، فالأول أن تحصر الأوصاف التي يمكن التعليل بها للمقيس عله ثم اختبارها في المقيس وإبطال ما لا يصلح منها بدليله. وذلك الإبطال إما بكونه ملغى أو وصفا طرديا أو يكون فيه نقض أو كسر أو خفاء أو اضطراب فيتعين الباقي للعلية.
انظر: " البحر المحيط " (٥/ ٢٢٢)، " الكوكب المنير " (٤/ ٤٦).
وأما القسم الثاني: المنتشر، وذلك بأن لا يدور بين النفي والإثبات أو دار ولكن كان الدليل على نفي علية ما عدا الوصف المعين فيه ظنيا واختلفوا في ذلك على مذاهب:
١ - أنه حجة في العمليات فقط؛ لأنه يحصل غلبة الظن.
٢ - أنه حجة للناظر دون المناظر.
انظر تفصيل ذلك في " الإحكام " للآمدي (٣/ ٢٩١).
المسلك السادس: المناسبة ويعبر عنها بالإحالة وبالمصلحة وبالاستدلال وبرعاية المقاصد ويسمى استخراجها تخريج المناط وهي عمدة كتاب القياس ومحل غموضه ووضوحه.
ومعنى المناسبة هو تعين العلة بمجرد إبداء المناسبة مع السلامة عن القوادح لا بنص ولا غيره.
والمناسبة في اللغة الملائمة، والمناسب الملائم، قال الرازي في " المحصول " (٥ ١٥٧): الناس ذكروا في تعريف المناسب شيئين:
الأول: أنه المفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيرا وإبقاء، وقد يعبر عن التحصيل بجلب المنفعة وعن الإبقاء بدفع المضرة.
ثم هذا التحصيل والإبقاء قد يكون معلوما وقد يكون مظنونا، وعلى التقديرين فإما أن يكون دينيا أو دنيويا ... .
الثاني: أنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات فإنه يقال: هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة في الجمع بينهما في سلك واحد متلائم.
المسلك السابع: الشبه ويسميه بعض الفقهاء الاستدلال بالشيء على مثله وهو عام أريد به خاص.
إذ الشبه يطلق على جميع أنواع القياس لأن كل قياس لا بد فيه من كون الفرع شبيها بالأصل بجامع بينهما وهو من أهم ما يجب الاعتناء به.
وقد اختلفوا في تعريفه: فقال إمام الحرمين في " البرهان " (٢/ ٨٥٩): لا يمكن تحديده، وقال غيره: يمكن تحديده.
وقيل: هو الجمع بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتماله على الحكمة المقتضية للحكم من غير تعيين. كقول الشافعي في النية في الوضوء والتيمم: طهارتان فأنى تفترقان.
انظر: " البحر المحيط " (٢/ ٨٥٩)، " المحصول " للرازي (٥/ ٢٠١ - ٢٠٣)، " المستصفى " للغزالي (٣/ ٦٤١ - ٦٤٢).
المسلك الثامن: الطرد.
قال الرازي في " المحصول ": والمراد منه الوصف الذي لم يكن مناسبا ولا مستلزما للمناسب إذا كان الحكم حاصلا مع الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع وهذا المراد من الاطراد والجريان. وهو قول كثير من فقهائنا.
" المحصول " (٥/ ٢٢٢)، " البحر المحيط " (٥/ ٢٥٠).
المسلك التاسع: الدوران. وهو أن يوجد الحكم عند وجود الوصف ويرتفع بارتفاعه في صورة واحدة كالتحريم مع السكر في العصير فإنه لما لم يكن سكرا لم يكن حراما فلما حدث السكر فيه وجدت الحرمة. ثم لما زال السكر بصيرورته خلا زال التحريم فدل على أن العلة السكر.
" الكوكب المنير " (٤/ ١٩٣)، " المسودة " (ص ٤٠٦).
المسلك العاشر: تنقيح المناط. التنقيح في اللغة: التهذيب والتمييز، ويقال: كلام منقح أي لا حشو فيه.
المناط: وهو مفعل من ناط نياطا أي علق، فهو ما نيط به الحكم، أي علق به وهو العلة اتي رتب عليها الحكم في الأصل.
" الصحاح " (٣/ ١١٦٥)، " لسان العرب " (١٤/ ٣٣٠).
ومعنى تنقيح المناط عند الأصوليين إلحاق الفرع بالأصل بإلغاء الفارق بأن يقال لا فرق بين الأصل والفرع إلا كذا وذلك لا مدخل له في الحكم البتة فيلزم اشتراكهما في الحكم لاشتراكهما الموجب له. كقياس الأمة على العبد في السراية فإنه لا فارق بينهما إلا الذكورة وهو ملغى بالإجماع.
المسلك الحادي عشر: تحقيق المناط وهو أن يقع الاتفاق على علية وصف لنص إجماع فيجتهد في وجودها في صورة النزاع، كتحقيق أن النباش سارق وسمي تحقيق المناط لأن المناط وهو الوصف علم أنه المناط وبقي النظر في تحقق وجوده في الصورة المعينة. قال الغزالي في " المستصفى " (٣/ ٤٨٤) وهذا النوع من الاجتهاد لا خلاف فيه بين الأمة.
وانظر: " مجموع الفتاوى " لابن تيمية (١٩/ ١٧ - ١٨). " البحر المحيط " (٥/ ٢٥٧)، " جمع الجوامع " (٢/ ٣٤١).