" البيعان بالخيار ما لم يتفرقا "، وفي لفظ " حتى يفترقا "، وفي لفظ فيهما:" المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا إلا بيع الخيار "، فأثبت - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - الخيار قبل التفرق؛ لأنه مظنة التأمل والتدبر للمبيع، وعدم الإحاطة بجميع أوصافه، والجهل لشيء منها فهو قبل التفرق إذا وجد ما لا يرتضيه كان له أن يفسخ به؛ لأنه إذ ذاك واقع في الغرر بالعقد الذي عقده قبل الاطلاع على هذا الأمر الذي كان سببا للفسخ، فهو قبل التفرق متمكن من التخلص من عهدة العقد، وقادر على الخروج مما دخل فيه من الغرر، فإذا فارق المجلس فقد اختار المبيع وفرغ من تدبر أوصافه، ورضي بما رآه (١).
(١) آراء الفقهاء في خيار المجلس: الأول: ثبوته وهو لجماعة من الصحابة، منهم علي وابن عباس وابن عمر. وإليه ذهب أكثر التابعين والشافعي وأحمد وإسحاق، والإمام يحيى، قالوا: والتفرق الذي يبطل به الخيار ما يسمى عادة تفرقا، ففي المنزل الصغير بخروج أحدهما، وفي الكبير بالتحول من مجلسه إلى آخر بخطوتين أو ثلاث، ودل على أن هذا تفرق فعل ابن عمر المعروف، فإن قاما معا وذهبا معا فالخيار باق، وهذا دليله هذا الحديث المتفق عليه. انظر: " المحلى " (٨/ ٣٥٤)، " المجموع " (٩/ ١٨٤)، " فتح الباري " (٤/ ٣٣٠). الثاني: للهادوية والحنفية ومالك والإمامية أنه لا يثبت خيار المجلس بل متى تفرق المتبايعان بالقول فلا خيار إلا ما شرط، مستدلين بقوله تعالى: {تجارة عن تراض} [النساء: ٢٩]. وبقوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: ٢٨٢}. قالوا: والإشهاد إن وقع بعد التفرق لم يطابق الأمر، وإن وقع قبله لم يصادف محله، وحديث: " إذا اختلف البيعان فالقول قول البائع " - وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود رقم (٣٥١١) والترمذي رقم (١٢٧٠) والنسائي رقم (٤٦٤٨) وابن ماجه رقم (٢١٨٦) وأحمد (١/ ٤٦٦) من حديث ابن مسعود - ولم يفصل، وأجيب بأن الآية مطلقة قيدت بالحديث، وكخيار الشرط، وكذلك الحديث وآية الإشهاد يراد بهما عند العقد ولا ينافيه ثبوت خيار المجلس كما لا ينافيه سائر الخيارات. وانظر مزيد تفصيل " فتح الباري " (٤/ ٣٢٧)، " المجموع " (٩/ ١٨٤)، " المغني " (٦/ ١٠ - ١٤).