ومجازه عند عدم الدليل على تَعيُّن أحدهما. مثاله قوله تعالى:{أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}[النساء: ٤٣]، فالتيمم لمعنى اللمس المجازي -وهو الجماع- ثابت بالدليل، فهل هو المراد من الآية حتى لا يُستدل بها على الانتقاض باللمس الذي هو المعنى الحقيقي في {أَوْ لَامَسْتُمُ} وهو تماس البشرتين؟ أو لا يدل على أنه المراد بل يجوز أن يكون المراد المعنيين المجازي والحقيقي؟
ويرجع حاصل الخلاف فيها إلى أن المجاز هل رجح ها هنا حتى صارت الحقيقة مماتة؛ لكون الدليل قام على إرادته؟ أو لم تمت الحقيقة؛ إذْ لا مانع من إرادتها أيضًا، بل يُعمل باللفظ فيهما معًا؟
ولا يتأتى هنا القول بأنه يَكون مُجْمَلًا؛ لأن المجاز هنا مراد قطعًا؛ للدليل، والحقيقة ليست مماتة؛ لأن كون الدليل قائمًا على أن المجاز مراد -لا يدل على إماتة الحقيقة.
نعم، قال الشيخ علاء الدين بن نفيس في كتابه "الإيضاح": إنه وإن لم يمنع إرادة الحقيقة مع المجاز لكنه يُرجح اعتبار المجاز.
وذهب الأصفهاني في "شرح المحصول" إلى أن هذه المسألة إنما هي مُفرعة على القول بمنع الحمل على الحقيقة والمجاز معًا، وأن الذي يقول بأن الحقيقة تُراد مع المجاز لا من حيث الحمل عليهما، بل لأن موجب الحقيقة قائم لم يمنعه مانع، وغايته أن المجاز دل دليل على إرادته وتلك المسألة حيث لا قرينة.
قلتُ: لكن سبق تقرير أن الدليل الذي قام على المجاز لم يدل على أنه هو المراد فقط، فيقال: إنه لم يقم دليل على أن أحدهما هو المراد، بل على أنه مراد. وفَرْقٌ بينهما؛ ولهذا قال بعضهم: إنَّ هذه المسألة شبيهة بما سبق مِن أن الإجماع على وَفْق دليل لا يدل على أن ذلك الدليل هو مستندهم، بل يجوز أن يكون دليلًا آخَر (على الأصح).
أي: الإجماع لَمَّا قام على أن المجاز مراد، هل مستنده أن الحقيقة لا يُعمل بها؛ فيتَعَيَّن