الثاني: الجواز. وبه قال [عبيد](١) الله بن الحسين [والعَنْبَرِي](٢) وغيرهما، ويُعزى للحشوية؛ لإجماع السلف على قبول الشهادتين مِن غير أن يقال لقائلهما: هل نَظَرت؟
الثالث: أنه يجب التقليد، وقالوا: إن النظر فيه حرام، إما لأنَّ المطلوب فيه العِلم وهُم لا يرون أن النظر يفيد العلم، وإما لأنَّ النظر قد يُورث شُبهة، فيكون ذلك سببًا للضلال على الرأيين المشهورين.
وربما تُوُهِّم أن المنع من النظر فيه مذهب الشافعي وغيره من السلف؛ لِنَهْيهم عن علم الكلام والاشتغال به. لكنه محمول على مِن خِيفَ أنْ يَزِلَّ فيه حيث لا يكون له قدم صِدق في مسالك التحقيق؛ فيقع في شك أو ريبة، أما مَن له قوة وقدم صدق فلا؛ ولهذا قطع أصحابه بأنه من فروض الكفايات، وكيف يمنع منه وهو الموصل إلى معرفة الله عز وجل وصفاته العليَّة ومعرفة الرسل والفرق بين الصادق والمُتَنبِّئ؟ !
وقد بسط الحليمي الكلام على وجوب تعلُّمه؛ إعدادًا لأعداء الله تعالى ومناظرتهم ودحض شُبههم الباطلة، حتى قيل: إنه من فروض الأعيان. وحتى قيل: إن الأشعري قال: لا يصح إيمان المقلِّد، وإنه يقول بتكفير العوام. لكن أنكره الأستاذ ابن القشيري على مَن حكاه عنه، وقال: إنه كذب وزور من تلبيسات الكرامية على العوام؛ إذْ يقولون:"الإيمان الإقرار"، والأشعري يقول:" التصديق "، والعوام يصدقون الله تعالى في أخباره.
قال الأستاذ أبو منصور: أجمع أصحابنا على أن العوام مؤمنون عارفون بالله وأنهم حشو الجنة؛ للأخبار والإجماع فيه؛ لأنَّ فِطرهم جُبِلت على توحيد الصانع وقدَمه وحدوث الموجودات وإنْ عجزوا عن التعبير عنه على اصطلاح المتكلمين، والعِلم بالعبارة عِلم زائد
(١) في (ق، ص): عبد. (٢) كذا في جميع النُّسخ، وأظن الصواب: (العنبري) بدون الواو؛ فالعنبري هو عبيد الله بن الحسين.