حقيقة "التقليد" قبول القول مِن غير حُجة ودليل، فكما أن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - مقبول لقيام المعجزة الدالة على صِدقه فكذلك خبر الآحاد والأقيسة وأقوال المفتين [و](١) الحكام مقبولة بالإجماع؛ لقيام الدليل الشرعي على وجوب العمل بها. فإذا كانت أقوال المفتين الظنية كخبر الآحاد في وجوب العمل بها بالإجماع، فأين التقليد؟ !
قلتُ: قد تَقدم في معنى "التقليد" ما يُخرج نحو ذلك (على المرجَّح)، فراجِعه، فالخلاف حينئذ راجع للفظ.
وبالجملة فالقائل بأنه لا يجوز للعالم التقليد يوجِب عليه تَعَرُّف الحكم مِن دليل؛ لأنَّ له صلاحية المعرفة، بخلاف العامي.
وفي قول ثالث: إنَّ العالم لا يَلزمه التقليد لمجتهد إلا أنْ يُبين له صحة اجتهاده.
ولا يخفَى ضَعف ذلك فإن ذلك مِن أين يَعْلَمه إذا كان عاجزًا عن الاجتهاد؟ ! فإنْ فُرِضت قدرته، حَرُم عليه التقليد كما سيأتي. وهو قولي:(وَالْأَهْلُ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ).
وحاصل المسألة: أنَّ مَن بَلغ رُتبة الاجتهاد، امتنع عليه التقليد فيما عَرف فيه الحكم باجتهاده ووضح له وَجْه الصواب بمقتضَى ظنه، وهذا باتفاق.
فإنْ لم يكن قد اجتهد في تلك الجزئية ولكنه قادر على الاجتهاد فيها، فقال الجمهور: يمتنع عليه التقليد فيها مطلقًا.
وقيل: يجوز مطلقًا. وبه قال سفيان الثوري وأحمد وإسحاق.
وقيل: يجوز للقاضي دُون غيره.
وقيل: يجوز إنْ كان المجتهد الذي يريد تقليده فيها أَعلَم منه دُون مَن كان دُونه أو