للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

الشرح:

إذا عرفت حقيقة التقليد تَوَجَّه النظر إلى مَن يلزمه التقليد ومَن يمتنع عليه.

فما يُجتهد فيه إما من أحكام أصول الدِّين وإما من فروع الدين. فالثاني الذي ليس من أحكام أصول الدين، وهو ما أشرتُ إليه بقولي: (في سِوَى أَصْلِيَّهْ)، أي: في سوى أمور مِن الأصول الدينية إذا فقدَ فيه المكلَّف أهلية الاجتهاد بفوات شيء مما سبق اعتباره فيه، لَزِمَه أن يقلِّد؛ لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٤٣]، ولأنه لا يكلَّف بما لا يَقْدر عليه؛ لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: ١٦]، وهذا معنى قولي: (لِلاجْتِهَادِ). وسواء فيمن يجب التقليد عليه في هذه الحالة مَن كان عاميًّا صرفًا أو عالِمَّا يَتسامى عن رتبة العوام.

والمخالِف في القسم الأول معتزلة بغداد، قالوا: يجب على العامي الوقوف على طريق الحكم، وليس له أنْ يراجع العالم إلا لتنبيهه على الطريق.

وقال الجبائي: يجوز له التقليد في المسائل الاجتهادية دون ما يكون من معلومات الدِّين، كالعبادات الخمس.

وأما القسم الثاني فيقلد فيه العالم في غير ما هو عالم فيه (على المختار).

وخالف في ذلك قوم، حتى إنَّ ابن حزم كان يدَّعِي الإجماع على منع التقليد، وحكى من كلام مالك والشافعي وغيرهما ذلك، قال: ولم يزل الشافعي ينهى عن التقليد. أي: كما نقل المزني أول "مختصره" إذ قال: مع إعلاميه نهيَه عن تقليده وتقليد غيره. لكن قال الصيدلاني وغيره: إن ذلك محمول على مَن يكون مجتهدًا، فأمَّا مَن قَصُر عن رُتبة الاجتهاد فليس له إلا التقليد.

قيل: ويعارض ما قاله ابن حزم بِقَول القاضي أبي بكر: إنه ليس في الشريعة تقليد، فإنَّ

<<  <  ج: ص:  >  >>