عِزٍّ ثَابِتِ الْأَوْتَادِ، يُرِيدُونَ أَنَّهُ دائم شديد، وأصل هَذَا أَنَّ بُيُوتَهُمْ كَانَتْ تُثَبَّتُ بِالْأَوْتَادِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ذُو الْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: ذُو الْجُنُودِ وَالْجُمُوعِ الْكَثِيرَةِ، يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَوُّونَ أَمْرَهُ، وَيَشُدُّونَ مُلْكَهُ، كَمَا يُقَوِّي الْوَتَدُ الشَّيْءَ، وَسُمِّيَتِ الْأَجْنَادُ أَوْتَادًا لِكَثْرَةِ الْمَضَارِبِ الَّتِي كَانُوا يَضْرِبُونَهَا وَيُوَتِّدُونَهَا فِي أَسْفَارِهِمْ، وَهُوَ رِوَايَةُ عَطِيَّةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: (الْأَوْتَادُ) جَمْعُ الْوَتَدِ وَكَانَتْ لَهُ أَوْتَادٌ يُعَذِّبُ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَضِبَ عَلَى أَحَدٍ مَدَّهُ مُسْتَلْقِيًا بَيْنَ أربعة أوتاد يشد كُلَّ يَدٍ وَرِجْلٍ مِنْهُ إِلَى سَارِيَةٍ وَيَتْرُكُهُ كَذَلِكَ فِي الْهَوَاءِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى يَمُوتَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: كَانَ يَمُدُّ الرَّجُلَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى الأرض ثم يَشُدُّ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَرَأْسَهُ عَلَى الْأَرْضِ بِالْأَوْتَادِ. وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: كَانَ يَمُدُّ الرَّجُلَ وَيَشُدُّهُ بِالْأَوْتَادِ وَيُرْسِلُ عَلَيْهِ الْعَقَارِبَ وَالْحَيَّاتِ (١) . وَقَالَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ: كَانَتْ لَهُ أَوْتَادٌ وَأَرْسَانٌ وَمَلَاعِبُ يُلْعَبُ عَلَيْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ.
[١٣] {وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ} [ص: ١٣] الذي تَحَزَّبُوا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَأَعْلَمَ أَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حِزْبٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الأحزاب.
[١٤] {إِنْ كُلٌّ} [ص: ١٤] مَا كُلٌّ، {إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} [ص: ١٤] وَجَبَ عَلَيْهِمْ وَنَزَلَ بِهِمْ عَذَابِي.
[١٥] {وَمَا يَنْظُرُ} [ص: ١٥] ينتظر، {هَؤُلَاءِ} [ص: ١٥] يَعْنِي: كُفَّارَ مَكَّةَ، {إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} [ص: ١٥] وَهِيَ نَفْخَةُ الصُّورِ، {مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} [ص: ١٥] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (فُوَاقٍ) بِضَمِّ الْفَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ، فَالْفَتْحُ لُغَةُ قُرَيْشٍ وَالضَّمُّ لُغَةُ تَمِيمٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مِنْ رُجُوعٍ، أَيْ: مَا يُرَدُّ ذَلِكَ الصَّوْتُ فَيَكُونَ لَهُ رُجُوعٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَظْرَةٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَثْنَوِيَّةٌ، أَيْ صَرْفٌ وَرَدٌّ، وَالْمَعْنَى أَنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ الَّتِي هِيَ مِيعَادُ عَذَابِهِمْ إِذَا جَاءَتْ لَمْ تُرَدَّ وَلَمْ تُصْرَفْ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْفَتْحِ وَالضَّمِّ، فَقَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: الْفَتْحُ بِمَعْنَى الرَّاحَةِ وَالْإِفَاقَةِ، كَالْجَوَابِ مِنَ الْإِجَابَةِ، وذهبا بِهَا إِلَى إِفَاقَةِ الْمَرِيضِ مَنْ عِلَّتِهِ، وَالْفُوَاقُ بِالضَّمِّ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ وَهُوَ أَنْ تُحْلَبَ النَّاقَةُ ثُمَّ تُتْرَكَ سَاعَةً حَتَّى يَجْتَمِعَ اللَّبَنُ فَمَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ فُوَاقٌ، أَيْ أَنَّ الْعَذَابَ لَا يُمْهِلُهُمْ بِذَلِكَ الْقَدْرِ، وَقِيلَ: هَمَا أَيْضًا مُسْتَعَارَتَانِ مِنَ الرُّجُوعِ، لِأَنَّ اللَّبَنَ يَعُودُ إِلَى الضِّرْعِ بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ، وَإِفَاقَةُ الْمَرِيضِ رُجُوعُهُ إِلَى الصِّحَّةِ.
[١٦] {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} [ص: ١٦] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابن عباس: يعني كتابنا، والقط الصَّحِيفَةُ الَّتِي أَحْصَتْ كُلَّ شَيْءٍ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمَّا نَزَلَتْ فِي الْحَاقَّةِ: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} [الْحَاقَّةُ: ١٩] {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} [الْحَاقَّةُ: ٢٥] قَالُوا اسْتِهْزَاءً: عَجِّلْ لَنَا كِتَابَنَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنُونَ حَظَّنَا وَنَصِيبَنَا مِنَ الْجَنَّةِ الَّتِي تَقُولُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: يَعْنِي عُقُوبَتَنَا وَنَصِيبَنَا مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ عطاء: قال النضر بن الحارث، هو قولهم: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حجارة من السماء. وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قِطَّنَا حِسَابَنَا، وَيُقَالُ لِكِتَابِ الْحِسَابِ قِطٌّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْكِسَائِيُّ: الْقِطُّ الْكِتَابُ بالجوائز.
[قوله تَعَالَى اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ] ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ. . .
[١٧] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} [ص: ١٧] أَيْ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْكُفَّارُ مِنْ تَكْذِيبِكَ، {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ} [ص: ١٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيِ الْقُوَّةِ في العبادة، وَقِيلَ: ذُو الْقُوَّةِ فِي الْمُلْكِ. {إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: ١٧] رَجَّاعٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالتَّوْبَةِ عَنْ كُلِّ مَا يَكْرَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُطِيعٌ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسَبِّحٌ بِلُغَةِ الْحَبَشِ.
[١٨] {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ} [ص: ١٨] كَمَا قَالَ: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ} [الأنبياء: ٧٩] {يُسَبِّحْنَ} [ص: ١٨] بتسبيحه،
(١) سيأتي الكلام على ذلك في سورة الفجر آية (١٠) .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.