فَعَهْدُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ فَأَجَلُهُ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُحَرَّمِ خَمْسُونَ يَوْمًا. وَقِيلَ لَهَا حُرُمٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَّرَّمَ فِيهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ دِمَاءَ الْمُشْرِكِينَ وَالتَّعَرُّضَ لَهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْقَدْرُ بَعْضُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} [التوبة: ٥] ؟ قِيلَ: لَمَّا كَانَ هَذَا الْقَدَرُ مُتَّصِلًا بِمَا مَضَى أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ، وَمَعْنَاهُ: مَضَتِ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ الَّتِي يَكُونُ مَعَهَا انْسِلَاخُ الأشهر الحرم. قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التَّوْبَةِ: ٥] في الحل الحرم، {وَخُذُوهُمْ} [التوبة: ٥] وأسروهم، {وَاحْصُرُوهُمْ} [التوبة: ٥] أي: احبسهم. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُرِيدُ إِنْ تَحَصَّنُوا فَاحْصُرُوهُمْ، أَيِ: امْنَعُوهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ. وَقِيلَ. امْنَعُوهُمْ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ وَالتَّصَرُّفِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ. {وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: ٥] أَيْ: عَلَى كُلِّ طَرِيقٍ، وَالْمَرْصَدُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَرْقُبُ فِيهِ الْعَدُوَّ مِنْ رَصَدْتُ الشَّيْءَ أَرْصُدُهُ إِذَا تَرَقَّبْتُهُ، يُرِيدُ كُونُوا لَهُمْ رَصْدًا لِتَأْخُذُوهُمْ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهُوا. وَقِيلَ: اقْعُدُوا لَهُمْ بِطَرِيقِ مَكَّةَ حَتَّى لَا يَدْخُلُوهَا، {فَإِنْ تَابُوا} [التوبة: ٥] مِنَ الشِّرْكِ، {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: ٥] يَقُولُ دَعُوهُمْ فَلْيَتَصَرَّفُوا فِي أَمْصَارِهِمْ، وَيَدْخُلُوا مَكَّةَ، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} [التوبة: ٥] لمن تاب, {رَحِيمٌ} [التوبة: ٥] وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: هَذِهِ الْآيَةُ نَسَخَتْ كُلَّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِيهَا ذِكْرُ الْإِعْرَاضِ وَالصَّبْرِ على أذى الأعداء.
[٦] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} [التوبة: ٦] أَيْ: وَإِنِ اسْتَجَارَكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَمَرْتُكَ بِقِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ، أَيِ: اسْتَأْمَنَكَ بَعْدَ انْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لِيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. {فَأَجِرْهُ} [التوبة: ٦] فَأَعِذْهُ وَآمِنْهُ، {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: ٦] فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ العقاب، {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: ٦] أَيْ: إِنْ لَمْ يُسْلِمْ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، أَيِ: الْمَوْضِعَ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ وَهُوَ دَارُ قَوْمِهِ، فَإِنْ قَاتَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدِرْتَ عَلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: ٦] أَيْ: لَا يَعْلَمُونَ دِينَ اللَّهِ وَتَوْحِيدَهُ فَهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى سَمَاعِ كلام الله. قال الحسن: هذه الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
[قَوْلُهُ تَعَالَى كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ] وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. . . .
[٧] قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ} [التوبة: ٧] هَذَا عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ، وَمَعْنَاهُ جَحْدٌ، أَيْ: لَا يَكُونُ لَهُمْ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا عِنْدَ رَسُولِهِ وَهُمْ يَغْدِرُونَ وَيَنْقُضُونَ الْعَهْدَ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [التوبة: ٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قُرَيْشٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ عَاهَدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ} [التوبة: ٧] أَيْ: عَلَى الْعَهْدِ، {فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} [التوبة: ٧] فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وَنَقَضُوا الْعَهْدَ، وَأَعَانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ، فَضَرَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْفَتْحِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَخْتَارُونَ مِنْ أَمْرِهِمْ إِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا، وَإِمَّا أَنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.