فسمِعْتُ ما قالا، فغدَوْتُ فشدَدْتُ على جملي، فوجَدْتُه غير بعيد، فسألتُه: أَتَصْحَبُني؟ فقال: نعم وكرامةٌ، ورِكابه مُناخةٌ عنده، فخرجت معه صاحب صِدْقٍ، حتى قَدِمْنا على (١)[رسول الله ﷺ وهو يُصلِّي بالناس صلاة الغَداة، وقد](٢) أُقِيمَتْ حين شَقَّ [الفجرُ](٣) والنُّجوم شابكة في السماء، والرجال لا تَكادُ تَعارَفُ من ظُلْمَةِ اللَّيْل، فصفَفْتُ مع الرجال، امرأة حديثة عهد بجاهلية، فقال لي الرَّجُل الذي يَلِيني مِنْ الصَّفٌ: امرأة أنتِ أم رجل؟ فقلتُ: لا، بل امرأة، فقال: إِنَّكِ قد كِدْتِ تَفْتِنيني، فصلِّي في النِّساء وراءك، وإذا صفٌ من النِّساء قد حدَثَ عند الحُجُرات، لم أكُن رأيته حين دخلتُ، فكنتُ فيهِنَّ، حتى إذا طَلَعَتْ الشَّمسُ دَنَوْتُ.
وفي غير هذه الرواية: قالت: فجعلتُ إذا رأيتُ رجُلًا ذا رُواء وذا قِشْرٍ طمح إليه بصري لأرى رسول الله ﷺ فوق الناس - إلى هنا سقط من النسخة (٤).
قالت: فجاء رجل بعد ما ارتفعَتْ الشَّمسُ، فقال (٥): [السَّلامُ عليكَ يا رسول الله](٦) فقال رسول الله ﷺ: «وعليك السلام ورحمة الله»، وعليه أَسْمالُ مليتين قد كانتا بزعفران وقد نفضتا، وبيده عُسَيِّبُ نخلةٍ مَقْشُو غيرَ خُوصتين من أعلاه، قاعدًا القُرْفُصاءَ، فلما رأيتُ رسول الله ﷺ المُتخشع في الجلسة أُرْعِدْتُ مِنْ الفرق، فقال له جليسه: يا رسول الله، أُرْعِدَت المسكينة، فقال - ولم ينظر إليَّ، وأنا عند ظهره -: «يا مسكينة، عليكِ السَّكينة» فلما قالها رسول الله ﷺ أذهب الله - تعالى - ما كان دخل قلبي من الرعب، وتقدم صاحبي أول رجلٍ حُرَيثُ بنُ حسان ﵁ فبايعه على الإسلام وعلى قومه.
(١) ظ: ١٦١/ ب. (٢) ما بين المعقوفين بياض في المخطوط، واستدركته من مصادر التخريج. (٣) التعليق السابق. (٤) كذا في المخطوط! (٥) ظ: ١٦٢/ أ. (٦) ما بين المعقوفين بياض في المخطوط، واستدركته من مصادر التخريج.