كُنْتَ - والله - لِلدِّين يَعْسوبًا، أوَّلًا حين تفرَّقَ النَّاسُ عنه، وآخرًا حين قَلُّوا، كُنْتَ للمؤمنين أبًا رحيمًا إذ صاروا عليك عيالًا، فحمَلْتَ أثقالًا عنها ضَعُفوا، وحفظت ما أضاعوا، ورعَيْتَ ما أهملوا، وشمَّرْتَ إِذْ خَنَعُوا، وصَبَرْتَ إذ جزعُوا، فأدْرَكْتَ أوتار ما طلبوا، ونالوا بك ما لم يَحْتَسِبوا.
كُنْتَ على الكافرين عذابًا صَبًّا، وللمؤمنين غيثًا وخِصْبًا، ذهبت بفضائلها، وأَحْرَزْتَ سوابِقَها، لم تُفْلَلْ حُجَّتُك، ولم تَضْعُف بصيرتك، ولم تجبن نفسك ولم تخن، كُنْتَ كالجبَلِ لا تُحرِّكه القواصف، ولا تُزيله الرواجف.
كُنْتَ كما قال رسول الله ﷺ: أَمَنَّ النَّاسِ فِي صُحْبَتِكَ وذاتِ يَدِك، وكما قال رسول الله ﷺ: ضعيفًا في بدنك، قويًا في أمر الله - تعالى ـ، متواضعًا في نَفْسِك، عظيمًا عند الله - تعالى -، كبيرًا في الأرض، جليلًا عند المؤمنين، ثم لم يَكُنْ لأحدٍ فيك مَهْمَز، ولا لقائل فيك مَغْمَز، ولا لأحد عندك هوادة، الذليل عندك قوي عزيز حتى تَأْخُذَ له الحقَّ، والقوي العزيز عندك ضعيف حتى تَأْخُذَ منه الحق، القريب والبعيد عندك في ذلك سواء، شَأْنُكَ الحقُّ والصِّدْقُ، وقولُكَ حُكْمٌ وحَتْم (١)، وأَمْرُك غُنْمٌ وعَدْلٌ، ثَبَّتَ الإسلام، وسبَقْتَ - والله - سبقًا بعيدًا، وأتعَبْتَ مَنْ بعدَك تعبًا شديدًا، وفُزْتَ بالخير فوزًا مبينًا، فَجَلَلْتَ عن البكاء، وعَظُمَتْ رَزِيَّتُك في السَّماء، وهدَّتْ مُصِيبتك الأنام، والله لا يُصاب المسلمون بعد رسول الله ﷺ بمِثْلِك.
كُنْتَ لِلدِّين عِزًّا وكهفًا، وللمسلمين حضنًا وأُنسًا، وللمنافقين غلظة وغَيْظًا وكظمًا، فألحقك الله - تعالى - بنبيك ﷺ، ولا حرمنا أَجْرَك، ولا أضلَّنا بعدك، وإنا لله وإنا إليه راجعون (٢).
(١) ش: ٣٥/ ب. (٢) أخرجه الضياء في «المختارة» ٢ (٣٩٩) عن المصنف. وأسنده المصنف من طريق أبي نعيم، وهو في «المعرفة» ١ (٨٩٤). وأخرجه البزار ٣ (٩٢٨)، وأبو بكر الخلال في «السنة» ١ (٣٥٠)، وابن قانع في «معجم الصحابة» ١: ٤٠، والشاشي - كما في الميزان ٣ (٦٠٤٤) -، والآجري =