وقد خطب الصدِّيق، ﵁، في أول مقامٍ قامه بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد اللَّه فإن اللَّه حيٌّ لا يموت. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ الآية. قال: فكأنّ الناس لم يسمعوها قبل ذلك، فما من الناس أحدٌ إلا يتلوها.
وروى البيهقيّ في "دلائل النبوة"(٢) من طريق ابن نجيحٍ، عن أبيه قال: مرّ رجلٌ من المهاجرين يوم أحدٍ على رجل من الأنصار، وهو يتشحّط في دمه، فقال له: يا فلان، أشعرت أن محمدًا قد قتل؟ فقال الأنصاريّ: إن كان محمدٌ ﷺ قد قتل فقد بلّغ الرسالة، فقاتلوا عن دينكم. فنزل [قوله تعالى]: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية، ولعل هذا الأنصاريّ هو أنس بن النّضر، ﵁، وهو عمّ أنس بن مالكٍ.
قال الإمام أحمد (٣): ثنا يزيد، ثنا حميدٌ، عن أنسٍ أن عمّه غاب عن قتال بدرٍ فقال: غبت عن أول قتالٍ قاتله النبيّ ﷺ للمشركين، لئن أشهدني اللَّه قتالًا للمشركين ليرينّ اللَّه (٤) ما أصنع. فلما كان يوم أحدٍ انكشف المسلمون، فقال:[اللهم] إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدم، فلقيه سعد بن معاذٍ دون أحدٍ، فقال سعدٌ: أنا معك. قال سعدٌ: فلم أستطع أصنع ما صنع. فوجد فيه بضعٌ وثمانون من بين ضربةٍ بسيف، وطعنةٍ برمحٍ، ورميةٍ بسهمٍ. قال: فكنا نقول: فيه وفي أصحابه نزلت: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
(١) انظر "تفسير القرآن العظيم" للمؤلف (٢/ ١٠٨) وما بعدها. (٢) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٢٤٨). (٣) رواه أحمد في "المسند" (٣/ ٢٠١). (٤) لفظ الجلالة لم يرد في (ط).