فَغَدَا لَا يَعْدِلُ (١) بِهَا لَذَّةً مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا …
وَتَذَوَّقَ حَلَاوَةَ التَّهَجُّدِ (٢) فِي اللَّيْلِ …
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ، وَالْتَزَمَهُ أَشَدَّ الْتِزَامٍ.
كَانَ إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَسْلَمَ النَّاسُ جُنُوبَهُمْ إِلَى الْمَضَاجِعِ؛ هَبَّ مِنْ رَقْدَتِهِ وَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، وَعَمَدَ إِلَى حُلَّةٍ لَهُ - شَرَاهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ - فَارْتَدَاهَا …
وَأَخَذَ زِينَتَهُ تَامَّةً كَامِلَةً لِيَمْثُلَ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الْمُلُوكِ، وَيَحْظَى بِقُرْبِهِ فِي نَجْوَةٍ مِنَ النَّاسِ …
ثُمَّ يُمْضِي لَيْلَتَهُ كُلَّهَا مُتَهَجِّدًا قَائِمًا بِآيِ الْقُرْآنِ …
وَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ؛ طَارَ شَوْقًا إِلَيْهَا …
وَإِذَا مَرَّ بِأُخْرَى فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ؛ زَفَرَ زَفْرَةً كَأَنَّ لَهِيبَ جَهَنَّمَ فِي أَحْشَائِهِ.
قَرَأَ لَيْلَةً قَوْلَهُ ﷿:
﴿أم حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا (٣) السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٤).
فَأَخَذَتْهُ رِعْدَةٌ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَاسْتَبَدَّتْ بِهِ رَهْبَةٌ مِنْ خَوْفِ عِقَابِهِ …
فَمَا زَالَ يُصَلِّي بِهَذِهِ الْآيَةِ مُنْذُ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ أَسْفَرَ (٥) الْفَجْرُ …
وَكَانَ كُلَّمَا أَعَادَهَا؛ اشْتَدَّ نَحِيبُهُ جَزَعًا مِنْ هَوْلِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.
(١) لَا يَعْدِلُ بهَا لَذَّة: لا يرضى بغيرها.
(٢) التَّهَجُّد: التعبد في الليل.
(٣) اجْتَرَحُوا: اكتسبوا.
(٤) سورة الجاثية آية ٢١.
(٥) أَسْفَرَ الْفَجْر: طلع الفجر.