فَقَالُوا: نَعَمْ: رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ؛ فَقِيلَ لَهُمَا كَمَا قِيلَ لَكَ.
فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟.
قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ.
وَكَانَا رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، وَقَدْ شَهِدَا بَدْرًا.
فَقُلْتُ: إِنَّ لِي فِيهِمَا أُسْوَةً، ثُمَّ مَضَيْتُ.
* * *
قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:
ثُمَّ مَا لَبِثَ الرَّسُولُ ﵇ أَنْ نَهَى عَنْ كَلَامِنَا نَحْنُ الثَّلَاثَةَ؛ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ …
فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَتَغَيَّرُوا لَنَا … حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الْأَرْضُ؛ فَمَا بَقِيَتْ هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي أَعْرِفُ …
وَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً.
أَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا (١) … وَقَعَدَا فِي بَيْتَيْهِمَا يَبْكِيَانِ.
وَأَمَّا أَنَا، فَكُنْتُ أَشَبَّ الثَّلَاثَةِ وَأَجْلَدَهُمْ؛ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ … لَكِنْ لَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ.
وَكُنْتُ آتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهْوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ أَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أم لَا؟!.
وَكُنْتُ أَحْرِصُ عَلَى أَنْ أُصَلِّيَ قَرِيبًا مِنْهُ؛ لِأُسَارِقَهُ النَّظَرَ (٢) …
فَكُنْتُ إِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي أَقْبَلَ عَلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي.
(١) فَاسْتَكَانَا: خضعا واستسلما.
(٢) لأُسَارِقَهُ النَّظَر: أُبادله النظر في استخفاء.