فَلَمْ تَسْمَحْ لِي بِالْهِجْرَةِ مَعَ الْمُهَاجِرِينَ، وَتَرَكَتْنِي أَتَقَلَّبُ عَلَى نَارٍ مَشْبُوبَةٍ مِنْ غَيْظِهَا وَحِقْدِهَا.
فَكَانَتْ كُلَّمَا أَصَابَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَعْرَكَةٍ أَوْ غَزْوَةٍ … انْتَقَمَتْ مِنِّي وَمِنْ إِخْوَانِي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ؛ الَّذِينَ حَبَسَتْهُمْ عِنْدَهَا أَشَدَّ انْتِقَامٍ.
ثُمَّ سَنَحَتْ لِي غَفْلَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ؛ فَاغْتَنَمْتُهَا …
وَمَضَيْتُ فَارًّا بِدِينِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَا لَا أَعْلَمُ مِنْ أَمْرِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَّةِ إِلَّا الْقَلِيلَ.
* * *
قَالَ أَبُو بَصِيرٍ:
فَمَضَيْتُ أُعِذُّ (١) السَّيْرَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ؛ يَطِيرُ بِيَ الشَّوْقُ إِلَى لِقَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَحْدُونِي (٢) الْحَنِينُ إِلَى الْعَيْشِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ …
فَمَا إِنْ وَطِئَتْ قَدَمَايَ الْمَدِينَةَ، وَاكْتَحَلَتْ عَيْنَايَ بِمَرْأَى الرَّسُولِ ﵇ … حَتَّى بَعَثَتْ قُرَيْشُ بِكِتَابٍ إِلَى النَّبِيِّ ﵊، مَعَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَمَوْلَى (٣) مِنْ مَوَالِيهَا؛ تَطْلُبُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَرُدَّنِي إِلَيْهَا؛ عَمَلًا بِشُرُوطِ الصُّلْحِ.
وَلَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ أَنْ يَأْمُرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِالرُّجُوعِ إِلَى مَا كُنْتُ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ، وَالْعَوْدَةِ إِلَى أَسْرِ قُرَيْشٍ … بَعْدَ أَنْ نَجَوْتُ مِنْهُمْ بِنَفْسِي وَدِينِي.
(١) أغذ السير: أسرع.(٢) يحدوني: يسوقني.(٣) المَوْلَى: العصبة، والحليف، والمُعْتَق.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute