ظَلَّ أَبُو لُبَابَةَ مُخْلِصًا لِرَبِّهِ، وَفِيًّا بِالْبَيْعَةِ الَّتِي بَايَعَهَا لِنَبِيِّهِ ﷺ؛ حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ ..
حَيْثُ كَبَا (١) جَوَادُهُ كَبْوَةً مَا كَانَتْ تَخْطُرُ لَهُ عَلَى بَالِ …
وَزَلَّ زَلَّةٌ مَا كَانَ يَتَخَيَّلُ أَنَّهَا تَصْدُرُ عَنْهُ.
ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ تَوَجَّهَ بَعْدَ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيُؤَدِّبَهُمْ جَزَاءَ نَكْثِهِمْ (٢) بِعَهْدِهِمْ …
وَخِيَانَتِهِمْ لَهُ، وَغَدْرِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ ....
فَأَطْبَقَ عَلَى حُصُونِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَأَحَاطَ بِهِمْ إِحَاطَةَ الْقَيْدِ بِالْعُنُقِ.
فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ؛ بَعَثُوا إِلَى الرَّسُولِ ﵇ يُفَاوِضُونَهُ عَلَى الاِسْتِسْلَامِ، وَيَشْتَرِطُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بَعْضَ الشُّرُوطِ …
فَأَبَى النَّبِيُّ ﵇ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ أَيَّ شَرْطٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ مَهمَا كَانَ …
وَكَانَ قَدْ حَكَمَ عَلَى مُقَاتِلِيهِمْ مِنَ الرِّجَالِ بِالْقَتْلِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
فَبَعَثُوا إِلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ يَقُولُونَ:
ابْعَثْ لَنَا أَبَا لُبَابَةَ نَسْتَشِيرُه.
وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَوْمِ أَبِي لُبَابَةَ مُحَالَفَةٌ (٣) فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
فَلَمَّا جَاءَهُمْ أَبُو لُبَابَةَ؛ الْتَفَّ حَوْلَهُ النِّسَاءُ وَالْأَطْفَالُ يَبْكُونَ وَيَنْتَحِبُونَ،
(١) كَبَا: سقط على وجهه.
(٢) نكْثِهِم بِعَهْدِهِم: نقضهم له، ورجوعهم عنه.
(٣) المُحَالَفَة: التعاهد والتصاحب.