الأحوال وليست الثمرة مما يتسارع إليها على الشجر الفساد، بل الغالب سلامتها، ورهن ما يتسارع إليه الفساد، إنما يراد به ما يتحقق فساده عن قرب، وهذا التعليل الذي أبديته يستمر سواء صح قياس الرهن على البيع أم قطعناه عنه، وجعلنا النهي عن البيع تعبدًا.
فإن قلت: نص الشافعي في "الأم" و "المختصر" يخالفك؛ لأنه يقتضي جواز الرهن إذا شرط القطع عند الحلول وإن لم يشرطه عند الرهن.
قلت: أقول به وقد تأملته، فلم أجد معناه عند مضي الأجل، بل عند حلول الدين سواء كان بمضي الأجل أم بالموت يدل عليه نصه في البويطي، وعند هذا نقول: شرط القطع إذا كان الدين حالًّا شرط؛ وكذا إذا كان مؤجلًا بأجل يحل قبل الإدراك لظاهر نص الشافعي في الحالتين، وللمعنى الذي أبديناه من امتناع مقصود الرهن بدونه، وكذا إذا كان مؤجلًا بأجل يحل بعد الإدراك؛ لأنه قد يحل قبله، كما دل عليه نصه في "البويطي" وهي غير مدركة، فلا يمكن المطالبة بالبيع مع القطع؛ لأنه نقص لم يدخل الراهن عليه ولا بدونه لحق الشرع، فإذا كان قد شرط القطع أمنا هذا المحذور، ولا تضر جهالة الوقت الذي يقطع فيه لما أشرنا إليه من أن المعتبر إمكان المطالبة بالبيع عند حلول الدين، وهذا الغرض حاصل به وليس مما يتسارع إليه الفساد في شيء، وعند هذا تبين أن الرهن مخالف للبيع، فإن البيع يشترط فيه شرط القطع الآن، والرهن يشترط فيه شرط القطع (١) عند حلول الدين؛ لأنه الوقت المحتاج إلى بيعه فيه، وهذا هو سر الرهن ومقصوده، وقد قوي عندنا هذا الذي اخترناه وظهر موافقته لنص الشافعي وللدليل، وسر باب الرهن، وهذه نعمة من الله تعالى بفهم ذلك،
(١) في أصل المخطوطة: "الرهن". والمثبت من الهامش. وأشار إلى أنه الصواب.