والمراد بالمقصورة هنا: ما ذكره ابن عابدين بقوله: «والظاهر أن المقصورة في زمانهم اسم لبيت في داخل الجدار القبلي من المسجد، كان يصلي فيها الأمراء الجمعة، ويمنعون الناس من دخولها خوفًا من العدو، فعلى هذا اختلف في الصف الأول، هل هو ما يلي الإمام من داخلها، أم ما يلي المقصورة من خارجها؟»(١).
وكان أصحاب ابن مسعود يرون أن الصف الأول ما يلي المقصورة؛ لأنهم كانوا يمنعون العامة من دخول المقصورة (٢).
ومستند من كره الصلاة في المقصورة التي يمنع الناس منها اختلاف العلماء في صحة الصلاة في الأرض المغصوبة.
وقيل: كلاهما صف أول في المعنى، هذا بصورته، وهذا بسبقه، حكاه القاضي عياض، ورجح غيره (٣).
وقيل: الصف الأول أفضل إلا إذا كان يرى فيه منكرًا لا يستطيع إنكاره، فالتأخر له أسلم، اختاره الغزالي في الإحياء، وقال: فعل ذلك جماعة من العلماء طلبًا للسلامة (٤).
وليس هذا قولًا مستقلًا، لأن هجر المكان إذا كان فيه منكر، لا يمكنه إنكاره، واجب، ولو بترك الصلاة في ذلك المسجد إلى مسجد آخر.
(١) حاشية ابن عابدين (١/ ٥٦٩). ولقد أحدثت في عهد بني أمية، فقد روى مسلم (٧٣ - ٨٨٣) من طريق عمر بن عطاء بن أبي الخوار، أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب ابن أخت نمر يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة. فقال: نعم. صليت معه الجمعة في المقصورة … وذكر الحديث. (٢) روى ابن أبي شيبة في المصنف (٦٤٦١): حدثنا وكيع، عن شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، قال: كان أصحاب عبد الله يقولون: الصف المقدم، الذي يلي المقصورة. إسناده حسن، رجاله كلهم ثقات إلا يحيى بن الجزار من غلاة الشيعة، وهو صدوق. قال ابن رجب في شرح البخاري (٦/ ٢٧٥): «وعن شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، قال: كان أصحاب عبد الله -يعني: ابن مسعود- يقولون: الصف الأول الذي يلي المقصورة. وروي ذلك عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود. وقال الشعبي: المقصورة ليست من المسجد». وانظر: البناية شرح الهداية (٣/ ٩٣). (٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٣٤٩). (٤) إحياء علوم الدين (١/ ١٨٣).