للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

من بعدكم مستدلين بأفعالكم على أفعالي، فدل الحديث أن الصف الأول ينظر إلى الإمام ليقتدي به، وينظر الصف الثاني إلى الصف الأول للغرض نفسه، فكل صف منهم إمام لمن وراءه، فإذا كان المأموم الذي قد يأتم به من خلفه مأمورًا بالتقدم، فموضع القدوة الجامع وهو الإمام مأمور بالتقدم من باب أولى. فلا يمكن تصور الائتمام بالإمام، وهو خلفهم؛ لأنه قد يضطر حينئذ إلى الالتفات وراءه حتى يتمكن من متابعة الإمام والاقتداء به وإدراك سهوه.

الدليل الخامس:

قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن الجماعة لا يجوز لها أن يكون إمامها خلفها متعمدًا» (١).

وأجاب بعض المالكية على قول ابن عبد البر: بأن عدم الجواز صادق بالكراهة (٢).

وقد يقال: هذا في حق تقدم جميع الجماعة، فلو صلى أكثر الجماعة خلف الإمام، وتقدم عدد منهم على الإمام لا يدخل في كلام ابن عبد البر.

والحامل على تأويل كلام ابن عبد البر أن مذهب المالكية لا يحرم التقدم على الإمام، وهو نص الإمام، وهو خارق لدعوى الإجماع، ولا أظن أن الإمام ابن عبد البر لا يعرف المشهور من مذهب مالك، فلا بد من تأويل كلامه بأحد التأويلين السابقين.

الدليل السادس:

القياس على التقدم على الإمام في الأفعال فكما لا يجوز التقدم على الإمام في الأفعال، فلا يركع، ولا يسجد قبل إمامه، فكذلك لا يجوز التقدم على الإمام في المكان.

ويجاب:

لا يقاس الأفحش والأغلظ على الأخف، فالتقدم في المكان لا يخالف الائتمام، بخلاف التقدم عليه في الأفعال فإنه منافٍ للائتمام وقاطع له.


(١) الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٢١٢)، تحبير المختصر لبهرام على مختصر خليل» (١/ ٤٢١).
(٢) جواهر الدرر (٢/ ٣٥٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>