للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

على من فيها) (١).

فما هو الموجب لإحراقهم؟

فإما أن يكون ذلك لترك الجماعة، وإما لترك الصلاة، وإما أن يكون ذلك لنفاقهم، لا تخرج القسمة عن هذه الاحتمالات الثلاثة.

أما الاحتمال الأول: أن يكون الإحراق لترك الجماعة.

فهذا هو أقواها، بل لا يصح غيره، وهو ظاهر حديث أبي هريرة لقوله: (لا يشهدون الصلاة) ولم يقل: (لا يصلون)، والهم بالتحريق لا ينافي القول بأن الجماعة سنة مؤكدة؛ لأمور:

الأول: أنه أخبر بأنه هَمَّ بذلك، والهم دون العزم، ولا يلزم من الهم بالشيء العزم على فعله (٢).

ولو هم الرجل بالصدقة، أو الهبة، أو البيع، أو بالطلاق، لم يلزمه شيء؛ لأنه مجرد هَمٍّ في النفس، فالنبي أخبر بأنه هَمَّ بالتحريق، ولم يعزم على الفعل. والواجب لا يكفي فيه الهم، بخلاف العزم، قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾


(١) صحيح مسلم (٢٥٣ - ٦٥١).
(٢) قال الكرماني في لباب التفسير (ص: ٦١٩): «والهم دون العزم، والعزم فوقه».
وجاء في جمهرة اللغة (١/ ١٧٠): «هَمَّ بالشيء يهم همًّا إذا عزم عليه، أو حدث به نفسه. وكذلك فسره أبو عبيد».
فجعل الهم بالشيء شاملًا لأمرين: إذا نواه وعزم على فعله. والثاني: إذا حدث به نفسه، وهو دون الأول.
وفي كتاب الفروق اللغوية (ص: ٣٥٦):. « … قد يطلق الهم على خطور الشيء في البال، وإن لم يقع العزم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ يعني أن الفشل خطر ببالهم، ولو كان هنا عزم لما كان الله وليهما؛ لأن العزم على المعصية معصية، ولا يجوز أن يكون الله ولي من عزم على معصيته.
وجاء في البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٣٢٥): «أول ما يمر بالقلب يسمى خاطرًا، فإذا تردد صار حديث نفس، فإذا ترجح فعله صار همًا، فإذا قوي واشتد صار عزمًا، فإذا قوي العزم واشتد حصل الفعل أو القول». وانظر: اللباب في علوم الكتاب (٥/ ٥١١)، إرشاد الساري للقسطلاني (٧/ ٦٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>