للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

فجعل البكاء نوعين: بكاء من خشية الله، فهذا لا يبطل الصلاة مطلقًا، أي سواء كان يمكنه دفعه أم لا، وسواء كان قليلًا أم كثيرًا.

النوع الثاني: البكاء غلبة بحيث لا يمكنه دفعه، فهذا لا يبطل الصلاة، ولم يبين الباعث على البكاء فشمل البكاء غلبة ما كان لوجع أو سماع مصيبة أو غيرهما.

أما إذا كان البكاء ليس من خشية الله، ولم يكن غلبة بحيث يمكنه دفعه فهذا يبطل الصلاة إن ظهر منه حرفان. هذا معنى قول المنتهى، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة، وهو موافق لقول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن خلافًا لأبي يوسف المتقدم.

ونقل ابن قدامة في المغني عن أحمد أنه قال في رواية مهنا في البكاء الذي لا يفسد الصلاة: إنه ما كان عن غلبة (١).

ولم يفرق بين غلبة الخشوع وغلبة الوجع والمصيبة.

وقال ابن تيمية: «فأما ما يغلب عليه المصلي من عطاس وبكاء وتثاؤب فالصحيح عند جمهور العلماء أنه لا يبطل وهو منصوص أحمد وغيره» (٢).

ولعله يقصد ما غلب بسبب الخشوع، لا ما غلب لوجع أو مصيبة، فالشافعية يبطلون به الصلاة بشرطين: الكثرة وظهور حرفين، والمالكية يبطلون به الصلاة بشرط الكثرة والسهو.

القول الخامس:

ذهب ابن المنذر وابن تيمية إلى القول بإباحة البكاء في الصلاة.

قال ابن المنذر في الأوسط: «البكاء في الصلاة مباح، يدل على إباحته غير خبر عن رسول الله » (٣).

وظاهر الإطلاق إباحة البكاء في الصلاة ولو كان قادرًا على دفعه إذا كان أثرًا عن التأثر بمواعظ القرآن، أو التضرع والابتهال والدعاء.

وقال ابن تيمية: «وأما السعال والعطاس والتثاؤب والبكاء الذي يمكن دفعه والتأوه والأنين فهذه الأشياء هي كالنفخ. فإنها تدل على المعنى طبعًا، وهي أولى بأن


(١) المغني (٢/ ٤١).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٦٢٣)، الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٣٢).
(٣) الأوسط (٣/ ٢٥٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>