وأخذ به بعض التابعين، منهم: الحسن البصري، والشعبي، وإبراهيم النخعي، ومسروق، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وقد وثقت ذلك في الأقوال في المسألة السابقة.
هذا هو ما يؤثر عن الصحابة، فلا يصح القول بأنه إذا أجمع إقامة أتم إلا عن ابن عمر وحده، وإذا كان قول ابن عمر مخالفًا لما رواه جمع من الصحابة جزم الباحث أن قوله صادر عن اجتهاد، وليس عن سنة.
والقائلون بانقطاع أحكام السفر بالإقامة قد اختلفوا في تقدير هذه المدة اختلافًا كثيرًا، من لدن الصحابة فمن بعدهم، ولو كان فيه توقيف لم يختلفوا على هذا النحو، حتى بلغت الأقوال فيها إلى أكثر من عشرين قولًا، بل تجد الصحابي الواحد له في المسألة أكثر من قول.
لهذا كله أرى أن التمسك بمطلق فعل النبي ﷺ هو الأولى، ولا يقيد فعل النبي ﷺ إلا نص مثله أو إجماع، أو قول صحابي اشتهر، ولا معارض له، والله أعلم.
الوجه الثالث:
أن الجمهور اشترطوا لصحة القصر مع الإقامة شرطين:
أحدهما: ألا يعلم متى تنقضي حاجته.
الثاني: أن يحتمل انقضاؤها في المدة التي لا ينقطع بها حكم السفر على إحدى القولين.
ومتى اختل شرط من هذين الشرطين لزمه الإتمام (١).
(١) جاء في البحر الرائق (١/ ١٤٢): «لو دخل بلدًا، ولم ينو أنه يقيم فيها خمسة عشر يومًا، وإنما يقول غدًا أخرج أو بعد غدٍ أخرج حتى بقي على ذلك سنين قصر … ولو وصل الحاج إلى الشام، وعلم أن القافلة إنما تخرج بعد خمسة عشر يومًا، وعزم أن لا يخرج إلا معهم لا يقصر؛ لأنه كناوي الإقامة كذا في المحيط». وقال المالكية: ولو علم عادة أن حاجته لا تنقضي قبل أربعة أيام فالعلم بها كافٍ في إبطال القصر، ولو لم ينو الإقامة. وقال في الإنصاف (٢/ ٣٣١): «إن ظن أن الحاجة لا تنقضي إلا بعد مضي مدة القصر فالصحيح من المذهب أنه لا يجوز له القصر. قدمه في الفروع والرعاية». انظر: تبيين الحقائق (١/ ٢١٢)، بداية المبتدئ (ص: ٢٦)، كنز الدقائق (ص: ١٨٧)، الفتاوى الهندية (١/ ١٤٠)، حاشية ابن عابدين (٢/ ١٢٥)، تحبير المختصر (١/ ٤٦٧)، التاج والإكليل (٢/ ٥٠٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٦٤)، المنهج الصحيح في الجمع بين ما في المقنع والتنقيح (١/ ٣٨٤)، الفروع (٣/ ٩٥)، المغني (٢/ ٢١٥).