ومن خرج من بيته مسافرًا فله أن يترخص من غير فرق بين كونه مقيمًا في سفره، وبين كونه قد جدَّ به السير، ولا يقطع حكم السفر إلا أمران: أن ينوي الإقامة المطلقة، وذلك بتغيير محل الإقامة، أو يرجع إلى بلده.
دليل من قال: المسافر يقصر حتى يرجع إلى بلده:
الدليل الأول:
كل حَدٍّ للعبادة بزمن أو مكان أو عدد فلا بد له من دليل، ولم ينقل أن النبي ﷺ حدد مدة الإقامة المبيحة للقصر من قوله، ولا أنه أتم في سفره إذا أقام في أثنائه، ولو مرة واحدة، فالإقامة في السفر إما أن تكون مع رفض السفر، أو لا، فالأولى تمنع من الترخص قولًا واحدًا، بخلاف الثانية فلا تمنع؛ لبقاء نية السفر، قال عمر ﵁ لأهل مكة:(أتموا أهل مكة فإنا قوم سفر)(٢)، فأطلق عليه وصف السفر مع نية الإقامة للمناسك، فإذا صدق اسم السفر على المقيم أثناء سفره لم يمنع من الترخص، فمن ادعى أن إقامة المسافر في أثناء سفره ترفع عنه وصف السفر، وتمنعه من الترخص فعليه الدليل، ولا يكفي القول بأن النبي ﷺ لم يقصر إلا في هذه المدة، فما زاد عليها فلا يقصر؛ لأن الأفعال التي تقع اتفاقًا لا يستفاد منها التحديد؛ ولأن قصره ﷺ في تلك المدة لا ينفي القصر فيما زاد عليها، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٣٥٠٠) وروى الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي السفر، عن سعيد بن شفي،
عن ابن عباس، قال: جعل الناس يسألونه عن الصلاة في السفر، فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من أهله لم يصلِّ إلا ركعتين حتى يرجع إلى أهله.
[صحيح](٣).
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٣٧). (٢) صحيح عن عمر، وروي مرفوعًا ولا يصح، وقد سبق تخريجه. (٣) الحديث رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (٢٨٦٠)، وعنه عبد بن حميد كما في المنتخب من مسنده (٦٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٨٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢١٨). ومحمد بن جعفر كما في مسند أحمد (١/ ٢٤١)، وحجاج بن محمد كما في زوائد عبد الله بن الإمام أحمد (١/ ٢٨٥). وعبد الرحمن بن مهدي كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند عمر (٣٢٩)، وحلية الأولياء (٧/ ١٨٨). وأبو النضر: هاشم بن القاسم، كما في حديث أبي العباس السراج (١٦٧٧)، وفي مسنده (١٤٢٠). ومسلم بن إبراهيم كما في حديث أبي العباس السراج (١٦٧٨)، والمعجم الكبير للطبراني (١٢/ ١٤٣) ح ١٢٧١١. وأبو الوليد الطيالسي كما في الأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٥٨)، جميعهم عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: حدثني أبو السفر، عن سعيد بن شفي، عن ابن عباس. وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات. وخالف شعبة جماعة، منهم: إسرائيل كما في مسند أحمد (١/ ٢٤١، ٣٥٦)، وتهذيب الآثار للطبري، مسند عمر (٣٢٦، ٣٢٧)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٤١٧). وأبو الأحوص سلام بن سليم كما في مصنف ابن أبي شيبة (٨١٥٧)، وعنبسة بن سعيد، كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند عمر (٣٢٨)، ثلاثتهم، رووه عن أبي إسحاق، عن سعيد بن شفي، عن ابن عباس. فأسقط أبو إسحاق أبا السفر، ودلس الحديث، وشعبة لا يروي عن أبي إسحاق إلا ما صرح فيه بالتحديث.