كشف لبعض الصالحين فرأى الدنيا في صورة جيفة، ورأى إبليس في صورة كلب، وهو جاثم عليها، ومنادٍ ينادي من فوق: أنت كلبٌ من كلابي، وهذه جيفة من خلقي، وقد جعلتها نصيبك مني، فمن نازعك شيئًا منها فقد سلَّطتك عليه (١).
ويفهم من قوله: من نازَعك شيئًا منها: أي من الدنيا. وأما الحاجة فليست من الدنيا؛ لما جاء في الإسرائيليات أن موسى ﷺ عرضت له حاجة، فقصد صديقًا له، فلم يقرضه شيئًا، فرجع مهمومًا، فأوحى الله إليه: كنت تطلب حاجتك مني؟ قال موسى: يا رب علمت مقتك للدنيا، فاستحييت منك أن أطلب شيئًا منها؛ فتمقتني، فأوحى الله إليه: يا موسى، الحاجة ليست من الدنيا (٢). قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]، فمن أحب هذه السبعة فقد أحب الدنيا كلها، ومن أحب شيئًا منها فقد أحب بعضها، ومتى كانت الحاجة داعية إلى شيء منها فليست من الدنيا. وكان عيسى ابن مريم ﷺ والسلف الصالح يسمون الدنيا: خنزيرة! (٣) ولو وجدوا لها اسمًا شرًّا من ذلك لسموها به.
وفي الحديث عن النبي ﷺ:«لتأتينكم من بعدي دنيا تأكل أديانكم كما تأكل النار الحطب»(٤) وفي حديث آخر: «إن لكلِّ أمةٍ فتنةً، وفتنةُ أمتي المال». قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح (٥)، وفي خبر آخر: «إنما
(١) انظر «قوت القلوب» لأبي طالب المكي ١/ ٤٠٦. (٢) لم أقف عليه. (٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٢٣٥ من كلام يزيد بن ميسرة. (٤) ذكره الغزالي في «إحياء علوم الدين» ٣/ ٢٠٦، وقال العراقي في «تعليقه على الإحياء»: لم أجد له أصلًا. (٥) أخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٦٠ (١٧٤٧١)، والترمذي في «جامعه» (٢٣٣٦) من حديث كعب بن عياض ﵁. قال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥٩٢).