للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القضاء، وحضر الشيخ برهان الدين بن الكركي الحنفي، وحضر غير ذلك من مشايخ العلماء جماعة كثيرة منهم الشيخ نور الدين المحلي والشيخ عبد الحق السنباطي الشافعي وآخرون من المشايخ والفقهاء. فلما تكامل المجلس أخذ السلطان يتكلم مع الشيخ زكريا والشيخ برهان الدين بن أبي شريف، فقال لهم: "كيف يكون رجل متزوج بامرأة ويطلع إلى بيته فيجد رجلا أجنبيا راقدا مع زوجته تحت اللحاف ويعترف بالزنا وتقولوا له الرجوع؟ ". فقال له ابن أبي شريف: "شرع الله هذا". وأراه النقل في هذه المسألة، فلم يلتفت إلى النقول في ذلك وقال: "أنا ما أنا ولي الأمير ولي النظر العام في ذلك؟ ". فقال له ابن أبي شريف: "نعم ولكن بموافقة الشرع الشريف. وإن قتلتهما تلزمك ديتان عنهما".

فحنق منه وكاد أن يبطش به في المجلس، ثم التفت إلى الشيخ زكريا وقال له: "إيش قلت أنت في هذه المسألة؟ ". قال: "له الرجوع بعد الاعتراف. وإذا رجع سقط عنه الحد". فقال له السلطان: "هذا يبقى في ذمتك". فقال الشيخ زكريا: "إيش كنت أنا؟ هذا في ذمة الإمام الشافعي صاحب المذهب". فذكر على أن السلطان قال له: "أنت ذهلت ما بقي لك عقل". ثم التفت إلى قضاة القضاة ووبخهم بالكلام وقال: "أنتو الأربعة قوموا لا تروني وجوهكم قط". فقاموا من ذلك المجلس وهم يتعثرون في أذيالهم، وكان لهم يوم مهول، فانفصل المجلس مانعا وحصل فيه كل سوء من مقت السلطان لهم.

ثم أن السلطان عزل الشيخ برهان الدين بن أبي شريف من مشيخة مدرسته وأشيع بنفيه إلى القدس، وعزل محيي الدين يحيى بن الدميري من قضاء المالكية ومن خطابة جامعه، واشتد غضبه على قاضي القضاة عبد البر بن الشحنة، وكاد أن يبطش به. وكان عنده من المقدمين الأخصاء، وكان يبات عنده ثلاث ليال في الجمعة وكان من ندمائه، ويسافر معه إذا شوط، وصار بيده الحل والعقد في أمور السلطنة، فانقلب عليه كأنه لم يعرفه قط، وكان بمنزلة جعفر البرمكي من هارون الرشيد، الحمد لله.

ومما وقع في ذلك المجلس بحضرة السلطان أن الشيخ نور الدين علي المحلي قال للسلطان: "يا مولانا السلطان. إن الذي صدر من مشايخ الإسلام بصحة الرجوع فهو الحق، وهو نص ما نقله الإمام الشافعي وغيره من العلماء أجمعين بعد القرار في أمر الزنا فلا عبرة بإقراره في ذلك". فقال له السلطان: "إن شاء الله تطلع إلى بيتك فتجد من يفعل في زوجتك الفاحشة كما فعل المشالي في زوجة خليل". فقال له الشيخ نور الدين المحلي: "عافانا الله من ذلك". فشق كلامه على السلطان في الباطن، وانقض لك المجلس من غير طائل، وحصل للعلماء في ذلك المجلس غاية البهدلة ولا سيما ما حصل للشيخ برهان الدين بن أبي شريف وأمره مشهور. فكان كما يقال في المعنى:

<<  <  ج: ص:  >  >>