وفي ذلك اليوم توفي القاضي فخر الدين بن العفيف الذي كان كاتب المماليك وعزل عنها، فأقام مدة وهو بطال حتى مات، وكان من أعيان المباشرين وقد قارب الثمانين سنة من العمر، وقاسى شدائد ومنا وصودر غير ما مرة، وكان أصله من أبناء الأقباط.
وفي ذلك اليوم رسم السلطان بفتح سد أبي المنجا، فتوجه الأمير كرتباي وإلى القاهرة وفتح السد على العادة.
وفي يوم الأحد سادس عشرينه توفي الأمير نانق بن يخشباي أمير شكار كان، وكان أصله من مماليك الظاهر جقمق، وكان من الأمراء العشراوات وكان لا بأس به.
وفي يوم الخميس تاسع عشرينه عرض السلطان المماليك الذين قررهم في الطبقة الخامسة، وهو العسكر الملفق، فرسم لهم بأن يعملوا برقهم ويتوجهوا إلى السويس لأجل حفظ المراكب التي أنشأها السلطان هناك، فقالوا:"نحن ما نسافر بلا نفقة". فحنق السلطان منهم وقال:"أنا أسافر إلى السويس بنفسي". وقد تقدم القول على أن الفرنج قد زاد تشويشهم على التجار في البحر الملح وصاروا يخطفون البضائع من المراكب، وقد ملكوا عمران وهي من بعض جهات الهند وقد تكامل من مراكب الفرنج في البحر نحو من عشرين مركبا، فكثرت الإشاعات بسفر السلطان إلى السويس.
*****
وفي شعبان كان مستهل الشهر يوم الجمعة، فطلع الخليفة والقضاة الأربعة للتهنئة بالشهر على العادة، فلم يجتمعوا بالسلطان وقيل لهم: قد دخل الحمام، وقد حصل له الشفاء لما قطبوا له جفنه، وكان السلطان يظن الهلال لا يرى تلك الليلة فدخل الحمام في ذلك اليوم.
وفي يوم السبت ثانيه نزل السلطان إلى الميدان وشال الرفادة عن عينه وجلس وحكم بين الناس، ورسم للعسكر بأن يصرف لهم العليق شعير، وكان يصرف لهم العليق مثمن فرسم لهم بأن يصرف العليق شعير.
وفي يوم الاثنين رابعه طلعت الأمراء إلى القلعة على العادة، فخرج لهم السلطان من الدهيشة وهو ماشي على أقدامه وقد لبس التخفيفة الكبيرة المسماة بالناعورة، وهي الآن في مقام التاج لملوك مصر من حين تولى بها الأتراك، وكانت التيجان يلبسها ملوك الفرس من الأكاسرة، فصارت التخفيفة الكبيرة التي بالقرون الطوال لسلاطين مصر هي التاج لهم، كما كان التاج لملوك الفرس، وقد جاء في بعض الأخبار أن العمائم تيجان العرب وكان السلطان له نحو من أربعة أشهر لم يلبس هذه التخفيفة الكبيرة، ولا جلس على