أمير كبير وبقية الأمراء المقدمين والجم الغفير من العسكر، فلما عرضوا على السلطان هؤلاء الفلاحين والمزارعين وهم في الحديد قال:"ما بال هؤلاء؟ ". فقالوا له:"إن عليهم مغل منكسر من السنين الخالية من أيام ابن ثلعب وغيره نحوا من سبعين ألف أردب".
فسكت ساعة قال:"أطلقوهم أجمعين فقد تركت ما عليهم لوجه الله تعالى". فارتفعت له الأصوات بالدعاء وكان فيهم الشيوخ والضعفاء والعواجز والصبيان الصغار، فأطلقوهم من الحديد أجمعين وهو ينظر إليهم، حتى عد ذلك من النوادر الغريبة، فكان أحق بقول القائل:
فإذا سطا ملأ القلوب مهابة … وإذا سخا ملأ العيون مواهبا
وفي يوم الأحد سادس عشرينه نزل السلطان وتوجه إلى نحو المطرية وكشف على العمارة التي هناك، ثم أتى إلى قبة الأمير يشبك فأقام بها إلى بعد العصر، فمد له الزيني بركات بن موسى هناك مدة حافلة فتعشى بعد العصر وطلع إلى القلعة.
وفي يوم الاثنين سابع عشرينه كان يوم النوروز وهو أول السنة القبطية، ففي ذلك اليوم قبض السلطان على شخص من الأتراك وقد نقل عنه أنه كاتب نائب حلب وحماعة من النواب بأن السلطان قد عمي ولم صار ينظر شيئا، فأرسلوا المكاتبات إلى السلطان، فلما أحضر السلطان ذلك المملوك وعرض عليه تلك المكاتبات أنكر ذلك، فلما قامت عليه البينة بذلك رسم السلطان بضربه فضرب ضربا مبرحا وسجنه السلطان بالبرج حتى يقر على من ألجأه إلى ذلك من الأمراء فلم يقر بشيء.
*****
وفي رجب كان مستهل الشهر يوم الخميس، فجلس السلطان بالمقعد الذي بالحوش، وطلع إليه الخليفة والقضاة الأربعة يهنئونه بالشهر.
فلما كان يوم الأحد رابعه نزل السلطان من القلعة وتوجه إلى المقياس وأقام به إلى بعد العصر، ومد له الزيني بركات بن موسى هناك مدة حافلة فانشرح في ذلك اليوم إلى الغابة، وكان النيل يومئذ في عشر أصابع من تسع عشرة ذراعا.
وفي يوم الثلاثاء سادسه نزل السلطان وكشف على العمارة التي بالمطرية، فلما عاد شق من المدينة ودخل من باب النصر، فلما أن وصل إلى مدرسته نزل عن فرسه ودخل إليها، فتوشحت الغلمان بالبنود الحرير الأصفر حتى توشح بذلك جماعة من المباشرين، فنهاهم السلطان عن ذلك، وأقام السلطان هناك إلى بعد الظهر ثم عاد إلى القلعة.